تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

11.108

يقول تعالى: ﴿ وأما الذين سعدوا ﴾ وهم أتباع الرسل ﴿ ففي الجنة ﴾ أي فمأواهم الجنة، ﴿ خالدين فيها ﴾ أي ماكثين فيها أبدا، ﴿ ما دامت السموت والأرض إلا ما شآء ربك ﴾ معنى الاستثناء ههنا أن دوامهم فيما هم فيه من النعيم ليس أمرا واجبا بذاته، بل هو موكول إلى مشيئة الله تعالى، فله المنة عليهم دائما، وعقب ذلك بقوله: ﴿ عطآء غير مجذوذ ﴾ أي غير مقطوع، لئلا يتوهم متوهم بعد ذكره المشيئة أن ثم انقطاع أو لبس أو شيء، بل حتم له بالدوام وعدم الانقطاع،

إن ربك فعال لما يريد

[هود: 107]، كقوله:

لا يسأل عما يفعل وهم يسألون

[الأنبياء: 23]، وهنا طيب القلوب وثبت المقصود بقوله: ﴿ عطآء غير مجذوذ ﴾. وقد جاء في " الصحيحين ":

" يؤتى بالموت في صورة كبش أملح فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقال يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت "

، وفي " الصحيح " أيضا:

" فيقال: يا أهل الجنة إن لكم أن تعيشوا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا، وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا ".

11.109-111

يقول تعالى: ﴿ فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء ﴾ المشركون إنه باطل وجهل وضلال، فإنهم إنما يعبدون ما يعبد آباؤهم من قبل، أي ليس لهم مستند فيما هم فيه إلا اتباع الآباء في الجهالات وسيجزيهم الله على ذلك أتم الجزاء، قال سفيان الثوري، عن ابن عباس: ﴿ وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص ﴾ ، قال: ما وعدوا من خير أو شر، وقال ابن أسلم: لموفوهم من العذاب نصيبهم غير منقوص، ثم ذكر تعالى أنه آتى موسى الكتاب فاختلف الناس فيه فمن مؤمن به ومن كافر به، فلك بمن سلف من الأنبياء قبلك يا محمد أسوة، فلا يغيظنك تكذيبهم لك، وقوله تعالى: ﴿ ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم ﴾. قال ابن جرير: لولا ما تقدم من تأجيله العذاب إلى أجل معلوم لقضى الله نبيهم، ويحتمل أن يكون المراد بالكلمة أنه لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه وإرسال الرسول إليه كما قال: ﴿ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ﴾ ، ثم أخبر تعالى أنه سيجمع الأولين والآخرين من الأمم ويجزيهم بأعمالهم فقال: ﴿ وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم إنه بما يعملون خبير ﴾ أي عليم بأعمالهم جميعا، جليلها وحقيرها وصغيرها وكبيرها، وقوله:

ولا تركنوا إلى الذين ظلموا

[هود: 113] قال ابن عباس: هو الركون إلى الشرك، وقال أبو العالية: لا ترضوا بأعمالهم؛ وقال ابن جرير عن ابن عباس: ولا تميلوا إلى الذين ظلموا؛ وهذا القول حسن، أي لا تستعينوا بالظلمة فتكونوا كأنكم قد رضيتم بأعمالهم،

فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أوليآء ثم لا تنصرون

[هود: 113] أي ليس لكم من دونه من ولي ينقذكم، ولا ناصر يخلصكم من عذابه.

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ٨٠٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ٨٠٧