تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

11.15-16

قال ابن عباس: إن أهل الرياء يعطون بحسناتهم في الدنيا، وذلك أنهم لا يظلمون نقيرا، يقول: من عمل صالحا التماس الدنيا صوما أو صلاة لا يعمله إلا التماس الدنيا، أوفيه الذي التمس في الدنيا من المثابة وحبط عمله الذي كان يعمله وهو في الآخرة من الخاسرين، وقال أنس والحسن: نزلت في اليهود والنصارى، وقال مجاهد: نزلت في أهل الرياء، وقال قتادة: من كانت الدنيا همه ونيته وطلبته، جازاه الله بحسناته في الدنيا، ثم يفضي إلى الآخرة وليس له حسنة يعطى بها جزاء، وأما المؤمن فيجازي بحسناته في الدنيا ويثاب عليها في الآخرة، كما قال تعالى:

من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشآء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا * ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا

[الإسراء: 18-19]، وقال تعالى:

من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب

[الشورى: 20]

11.17

يخبر تعالى عن حال المؤمنين الذين هم على فطرة الله تعالى، التي فطر عليها عباده، كما قال تعالى:

فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها

[الروم: 30] الآية. وفي " الصحيحين ":

" كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه "

الحديث، وفي " صحيح مسلم ":

" يقول الله تعالى إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا "

فالمؤمن باق على هذه الفطرة، وقوله: ﴿ ويتلوه شاهد منه ﴾ أي وجاءه شاهد من الله، وهو ما أوحاه إلى الأنبياء من الشرائع المطهرة المكملة المعظمة، المختتمة بشريعة محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ولهذا قال ابن عباس ومجاهد: ﴿ ويتلوه شاهد منه ﴾ إنه جبريل عليه السلام، وعن علي والحسن وقتادة: هو محمد صلى الله عليه وسلم، وكلاهما قريب في المعنى، لأن كلا من جبريل ومحمد صلوات الله عليهما بلغ رسالة الله تعالى، ولهذا قال تعالى: ﴿ أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ﴾ وهو القرآن بلغه جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبلغه النبي إلى أمته، ثم قال تعالى: ﴿ ومن قبله كتاب موسى ﴾ أي ومن قبل القرآن كتاب موسى وهو التوراة ﴿ إماما ورحمة ﴾ أي أنزله الله تعالى إلى تلك الأمة إماما لهم، وقدوة يقتدون بها ورحمة من الله بهم، فمن آمن به حق الإيمان قاده ذلك إلى الإيمان بالقرآن، ولهذا قال تعالى: ﴿ أولئك يؤمنون به ﴾ ثم قال تعالى متوعدا لمن كذب بالقرآن أو بشيء منه، ﴿ ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده ﴾ أي ومن كفر بالقرآن من سائر أهل الأرض، مشركهم وكافرهم وأهل الكتاب وغيرهم من سائر طوائف بني آدم ممن بلغه القرآن، كما قال تعالى:

لأنذركم به ومن بلغ

[الأنعام: 19] ﴿ فالنار موعده ﴾ كما ورد في " الصحيح "

" والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار "

، وقال سعيد بن جبير: كنت لا أسمع بحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم على وجهه إلا وجدت تصديقه في القرآن، فبلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

" لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني فلا يؤمن بي إلا دخل النار "

، فجعلت أقول: أين مصداقه في كتاب الله؟ حتى وجدت هذه الآية: ﴿ ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده ﴾ ، قال: من الملل كلها، وقوله: ﴿ فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك ﴾ الآية، أي القرآن حق من الله لا مرية ولا شك فيه، كما قال تعالى:

تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين

[السجدة: 2]، وقال تعالى:

الم * ذلك الكتاب لا ريب فيه

[البقرة: 1-2]، وقوله: ﴿ ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ﴾ ، كقوله تعالى:

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ٧٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ٧٨٥