تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

11.40

هذه موعدة من الله تعالى لنوح عليه السلام، إذا جاء أمر الله من المطر الهتان، الذي لا يقلع ولا يفتر، كما قال تعالى:

ففتحنآ أبواب السمآء بماء منهمر * وفجرنا الأرض عيونا فالتقى المآء على أمر قد قدر

[القمر: 11-12]، وأما قوله: ﴿ وفار التنور ﴾ ، فعن ابن عباس: التنور وجه الأرض، أي صارت الأرض عيونا تفور، حتى فار الماء من التنانير التي هي مكان النار صارت تفور ماء، وهذا قول جمهور السلف وعلماء الخلف، فحينئذ أمر الله نوحا عليه السلام أن يحمل معه في السفينة ﴿ من كل زوجين اثنين ﴾ من صنوف المخلوقات ذوات الأرواح، وغيرها من النباتات اثنين ذكرا وأنثى، وقوله: ﴿ وأهلك إلا من سبق عليه القول ﴾ أي واحمل فيها أهلك وهم أهل بيته وقرابته، ﴿ إلا من سبق عليه القول ﴾ منهم ممن لم يؤمن بالله، فكان منهم ابنه (يام) الذي انعزل وحده، وامرأة نوح وكانت كافرة بالله ورسوله، وقوله: ﴿ ومن آمن ﴾ أي من قومك، ﴿ ومآ آمن معه إلا قليل ﴾ أي نزر يسير مع طول المدة والمقام بين أظهرهم ألف سنة إلا خمسين عاما، فعن ابن عباس: كانوا ثمانين نفسا منهم نساؤهم، وعن كعب الأحبار: كانوا اثنين وسبعين نفسا، وقيل: كانوا عشرة، والله أعلم.

11.41-43

يقول تعالى إخبارا عن نوح عليه السلام للذين أمر بحملهم معه في السفينة أنه قال: ﴿ اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرساها ﴾ أي بسم الله يكون جريها على وجه الماء، وبسم الله يكون منتهى سيرها وهو رسوها. قال تعالى:

فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين

[المؤمنون: 28]، ولهذا تستحب التسمية في ابتداء الأمور، عند الركوب على السفينة وعلى الدابة، كما روى الطبراني، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

" أمان أمتي من الغرق إذا ركبوا في السفن أن يقولوا: بسم الله الملك ﴿ وما قدروا الله حق قدره ﴾ - الآية - ﴿ بسم الله مجريها ومرساها إن ربي لغفور رحيم ﴾ "

، وقوله: ﴿ إن ربي لغفور رحيم ﴾ مناسب عند ذكر الانتقام من الكافرين بإغراقهم أجمعين فذكر أنه غفور رحيم كقوله:

إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم

[الأعراف: 167]، وقوله: ﴿ وهي تجري بهم في موج كالجبال ﴾ أي السفينة سائرة بهم على وجه الماء، الذي قد طبق جميع الأرض، حتى طغت على رؤوس الجبال، وارتفع عليها بخمسة عشرة ذراعا، وقيل: بثمانين ميلا، وهذه السفينة جارية على وجه الماء بإذن الله وكنفه وعنايته، كما قال تعالى:

إنا لما طغا المآء حملناكم في الجارية * لنجعلها لكم تذكرة وتعيهآ أذن واعية

[الحاقة: 11-12]، وقال تعالى:

تجري بأعيننا جزآء لمن كان كفر

[القمر: 14]، وقوله: ﴿ ونادى نوح ابنه ﴾ الآية، هذا هو الابن الرابع واسمه يام وكان كافرا، دعاه أبوه أن يؤمن ويركب معهم، ولا يغرق مثل ما يغرق الكافرون، ﴿ قال سآوي إلى جبل يعصمني من المآء ﴾ اعتقد بجهله أن الطوفان لا يبلغ إلى رؤوس الجبال، وأنه لو تعلق في رأس بجل لنجاه ذلك من الغرق، فقال له أبوه نوح عليه السلام ﴿ لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم ﴾ أي ليس شيء يعصم اليوم من أمر الله، وقيل إن ﴿ عاصم ﴾ بمعنى (معصوم) كما يقال: طاعم وكاس، بمعنى مطعوم ومكسو ﴿ وحال بينهما الموج فكان من المغرقين ﴾.

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ٧٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ٧٩١