تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

11.62-63

يذكر تعالى ما كان من الكلام بين صالح عليه السلام وبين قومه وما كان عليه قومه من الجهل والعناد من قولهم: ﴿ قد كنت فينا مرجوا قبل هذا ﴾ أي كنا نرجوك في عقلك قبل أن تقول ما قلت: ﴿ أتنهانآ أن نعبد ما يعبد آباؤنا ﴾ ، وما كان عليه أسلافنا، ﴿ وإننا لفي شك مما تدعونآ إليه مريب ﴾ أي شك كثير، ﴿ قال يقوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ﴾ فيما أرسلني به إليكم على يقين وبرهان، ﴿ وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من الله إن عصيته ﴾ ، وتركت دعوتكم إلى الحق وعبادة الله وحده، فلو تركته لما نفعتموني ولما زدتموني ﴿ غير تخسير ﴾ أي خسارة.

11.64-68

تقدم الكلام على هذه القصة مستوفى في سورة الأعراف بما أغنى عن إعادته ها هنا وبالله التوفيق.

11.69-73

يقول تعالى: ﴿ ولقد جآءت رسلنآ ﴾ وهم الملائكة إبراهيم بالبشرى، قيل تبشره بإسحاق، وقيل بهلاك قوم لوط، ويشهد للأول قوله تعالى:

فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجآءته البشرى يجادلنا في قوم لوط

[هود: 74]، ﴿ قالوا سلاما قال سلام ﴾ أي عليكم، قال: علماء البيان: هذا أحسن مما حيوه به لأن الرفع يدل على الثبوت والدوام ﴿ فما لبث أن جآء بعجل حنيذ ﴾ أي ذهب سريعا، فأتاهم بالضيافة وهو عجل فتى البقر، ﴿ حنيذ ﴾ مشوي على الرضف وهي الحجارة المحماة، هذا معنى ما روي عن ابن عباس وقتادة وغير واحد، كما قال في الآية الأخرى:

فراغ إلى أهله فجآء بعجل سمين * فقربه إليهم قال ألا تأكلون

[الذاريات: 26-27] وقد تضمنت هذه الآية آداب الضيافة من وجوه كثيرة، وقوله: ﴿ فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم ﴾ ينكرهم، ﴿ وأوجس منهم خيفة ﴾ وذلك أن الملائكة لا همة لهم إلى الطعام ولا يشتهونه ولا يأكلونه، فلهذا رأى حالهم معرضين عما جاء به فارغين عنه بالكلية، فعند ذلك نكرهم ﴿ وأوجس منهم خيفة ﴾ قال السدي: لما بعث الله الملائكة لقوم لوط أقبلت تمشي في صور رجال شبان حتى نزلوا على إبراهيم فتضيفوه، فلما رآهم أجلهم

فراغ إلى أهله فجآء بعجل سمين

[الذاريات: 26] فذبحه ثم شواه في الرضف وأتاهم به فقعد معهم، وقامت سارة تخدمهم، فذلك حين يقول: ﴿ وامرأته قآئمة ﴾ وهو جالس، فلما قربه إليهم

قال ألا تأكلون

[الذاريات: 27]؟ قالوا: يا إبراهيم إنا لا نأكل طعاما إلا بثمن، قال: فإن لهذا ثمنا، قالوا: وما ثمنه؟ قال: تذكرون اسم الله على أوله وتحمدونه على آخره، فنظر جبريل إلى ميكائيل فقال: حق لهذا أن يتخذه ربه خليلا ﴿ فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم ﴾ ، يقول فلما رآهم لا يأكلون فزع منهم وأوجس منهم خيفة، وقالت سارة: عجبا لأضيافنا نخدمهم بأنفسنا كرامة لهم وهم لا يأكلون طعامنا؟! ﴿ قالوا لا تخف ﴾ أي قالوا: لا تخف منا إنا ملائكة أرسلنا إلى قوم لوط لنهلكهم، فضحكت سارة استبشارا بهلاكهم لكثرة فسادهم، وغلظ كفرهم وعنادهم، قال ابن عباس: ﴿ فضحكت ﴾ أي حاضت، وقول وهب بن منبه: إنما ضحكت لما بشرت بإسحاق، فمخالف لهذا السياق، فإن البشارة صريحة مرتبة على ضحكها ﴿ فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن ورآء إسحاق يعقوب ﴾ أي بولد لها يكون له ولد وعقب ونسل، فإن يعقوب ولد إسحاق، ومن هنا استدل من استدل بهذه الآية على أن الذبيح إنما هو (إسماعيل) وأنه يمتنع أن يكون هو إسحاق لأنه وقعت البشارة به، وأنه سيولد له يعقوب، فكيف يؤمر إبراهيم بذبحه وهو طفل صغير ولم يولد له بعد يعقوب الموعود بوجوده، ووعد الله حق لا خلف فيه، فيمتنع أن يؤمر بذبح هذا والحالة هذه، فتعين أن يكون هو إسماعيل، وهذا من أحسن الاستدلال وأصحه وأبينه ولله الحمد، ﴿ قالت يويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا ﴾ الآية حكى قولها في هذه الآية كما حكى فعلها في الآية الأخرى فإنها ﴿ قالت يويلتى أألد وأنا عجوز ﴾ ، وفي الذاريات

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ٧٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ٧٩٦