بوضوح بنصوص لا غبش فيها ولا لبس: أن القعود عن الجهاد علامة النفاق إنما يستئذنك الذين لا يؤمنون لأن رسول الله ص استنفر أهل المدينة لقتال الروم .. وماذا على الروم?! وما بهم?! ما أخبارهم?! لقد ترامى إلى سمع رسول الله ص أن الروم يعدون لغزو المدينة, فاستنفر أهل المدينة حتى يغزوهم قبل أن يغزوه, أصبح الجهاد فرض عين بمجرد استنفار الإمام أو القائد للناس الذين حوله, وأصبح الجهاد فرض عين بمجرد أن هجم العدو على الثغور والحدود, وظن المسلمون أنه قد يدخل البلاد, وأصبح القعود, بل أصبح مجرد الإستئذان علامة بارزة من علامات النفاق لا يستئذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين, إنما يستئذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت -أي شكت- قلوبهم فهم في ريبهم -في شكهم- يترددون والدليل على أن هذا الإستئذان علامة النفاق أنهم ما أعدوا للقتال عدته, ولا اتخذوا له أهبته, ولا لبسوا له لامته, ولا تمرسوا بأساليب القتال ولا بفنون النزال, ولو كانوا جادين في أمرهم ويريدون أن يلاقوا عدوهم لأعدوا له العدة.
ولذا فالقتال والإعداد فريضة من رب العالمين, يوم أن يتعرض المسلمون للخطر, وكيف وقد نزل العدو العقر ودخل في أ عماق بلاد المسلمين واستولى على أقدس مقدساتهم وهو يقرع الأبواب الآن حتى يلج الحرمين الشريفين ... !!
(ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق)
(الحديد: 61)
حياة الذل:
ألم يأن لهذه النفوس أن ترعوي وتستيقظ من سباتها?! ألم يأن لهذه القلوب أن تفيق من غيها التي هي فيه سادرة?! والله لو لم يكن الجهاد الآن فرض عين لاقتضت المروءة حمل الحسام والنزول إلى ميادين القتال, لأن المروءات وأصحابها لا تقبل العيش بذل ...
عش عزيزا أو مت وأنت كريم ... بين طعن القنا وخفق البنود
فروؤس الرماح أذهب للغيظ ... وأشفى لكيد صدر الحسود
أما الحياة بذل فالممات أفضل منها بكثير ...
ذل من يغبط الذليل بعيش ... رب عيش أخف منه الحمام
من يهن يسهل الهوان عليه ... ما لجرح بميت إيلام
أقرارا ألذ فوق شرار ... ومراما أبغي وظلمي يرام
دون أن يشرق الحجاز ونجد ... والعراقان بالقنا والشآم
لا قيمة -والله- لحياة الذل, بل الذليل لا وجود له لا تحت الشمس في الدنيا ولا في الآخرة. المستضعف الذليل المهين ساقط من عين رب العالمين في هذه الأولى وفي نار ربه يوم القيامة.
(إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا فأولئك عسى الله أن يعفوا عنهم وكان الله عفوا غفورا)
(النساء: 79ـ99)
ماذا على الأمة الإسلامية وقد خيم الهوان على جميع أركانها وغشاها الظلام في جميع أصقاعها, أعن قلة رجال?! والله إن أبناء الجامعات في أية دولة تكفي لعزتها قرونا قادمة .. أشرطا أن أحمل بجيبي شهادة الفلسلفة أو الإجتماع أو العلوم أو الكيماء أو الطب?! وامرأة كافرة تلقي أوامرها فوق رأسي .. ما قيمة الطب إن كان الذي يسي ر البلاد بكاملها امرأة يهودية أو شيوعية أو غير ذلك?! .. ل بطن الأرض خير لنا من ظهرها .. ما قيمة الشهادات?!! ما نفع الأموال إذا كان العرض مهددا والمال مبددا والدم مهدرا ?!! وأي لص من لصوص الدولة يأتي في وهن من الليل يقرع عليك الباب يأخذ أختك أو أمك بحجة أن هؤلاء مطلوبات للأمن, لأن -الأمن- قد وجد عليهن أشياء?!! .. أي قيمة للحياة?!! ما قيمة الحياة?!! ما قيمة الأموال?!! ما نفع الشهادات?!! أهي أيام تعد وتسجل, وأنفاس تخرج وتعد?!! أم هي أفعال تغير التاريخ, وأحداث تصنع الأمجاد ودماء تبني عزة البلاد?!.
رسول الله ص يقول: (والذي نفسي بيده لولا أن أشق على المسلمين ما تخلفت عن غزوة تخرج في سبيل الله أبدا ولوددت أن أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل) (1) [رواه مسلم].
الجاهليون الذين لا يرومون في الآخرة شيئا ولا يبتغون عند الله ذرة, أبو البختري بن هشام; كان رسول الله صلله عليه وسلم قد نهى عن قتله يوم بدر, قال: (من لقي منكم أبا البختري بن هشام فلا يقتله لأن له يدا بيضاء على المسلمين) (2) [انظر القصة في البداية والنهاية لابن كثير المجلد الثاني الجزء الثالث صفحة 285]. إذ مزق صحيفة المقاطعة, فلقيه أحد المسلمين قال: يا أبا البختري لقد نهانا رسول الله ص عن قتلك, قال: وصاحبي?! قال: لا, أما صاحبك فلا, قال: إذن والله الموت معه أفضل, لا أفلت صديقي, لا أفلت صاحبي, وتعيرني بنات مكة أنه ترك صاحبه من أجل الحياة. وقتل أبو البختري بن هشام.
يوم قريظة رسول الله ص أمر بقتل رجالهم, فجاء ثابت بن قيس بن شماس, قال: يارسول الله هبني فلانا وأهله وأمواله من اليهود -وكان صاحبا له, وثابت له مكانة عند رسول الله ص- قال: وهبتك إياه, فنادى اليهودي قال: يا فلان انج بنفسك ومالك وأهلك فقد وهبك رسول الله ص لي, قال: ناشدتك بالصلة التي من أجلها طلبت, أن تلحقني بالقوم, وألحق بالقوم وقتل.
مروءات عند الكفار تأبى أن ترى القوم الذين حوله يصابون بأذى وهو سالم ناج لا ينتفض له عرق ولا ينبض له وريد:
يقول لي الطبيب أكلت شيئا ... وداؤك في شرابك والطعام
وما في طبه أني جوا د ... أضر بجسمه طول الجمام
. (طول الراحة)!
تعو د أن يغبر في السرايا ... ويخرج من قتام في قتام
ماذا أصاب الناس?! هذه أقوال الناس الجاهليين فكيف بالمسلم الذي تستقبل الحور روحه, والذي يثاب على كل خطوة يخطوها, وعلى كل ظمأ يعطشه, وعلى كل جوع يحسه?!
(ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون)
(التوبة: 021ـ121)
(ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله وتمسه النار) (3) [رواه البخاري].
(من قاتل في سبيل الله ف واق ناقة وجبت له الجنة) (4) [صحيح الجامع الصغير رقم 6416]. الفواق: مقدار ما بين الحلبتين, (لا يلتقي كافر وقاتله في النار أبدا) (5) [رواه مسلم بنحوه ت هـ (292)]. (لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان في جوف إنسان أبدا).