تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال ابن منظور في لسان العرب: العظيم الذي جاوز قدره وجلَّ عن حدود العقول (3).

إن الله - تعالى - لم يخلق الخلق ولم يرسل الرسل ولم ينزل الكتب إلا من أجل تحقيق غاية من أسمى الغايات ألا وهي عبادته - سبحانه - وتحكيم شرعه، ولا يمكن أن تصل العبادة إلى أعلى كمالها إلا بتعظيم المعبود؛ فقد ذكر المناوي في تعريف العبادة أنها فعل المكلف على خلاف هوى نفسه تعظيماً لربه. وقيل ـ أي العبادة ـ هي تعظيم الله وامتثال أوامره (4). فمن هذا التعريف تتضح أهمية تعظيم الله، وأنها العبادة التي خلقنا الله لتحقيقها.

ولقد جاءت النصوص الشرعية من الكتاب والسنة في بيان فضل تعظيم الله؛ فمنها قوله - تعالى -: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ [الفاتحة: 5]، قال القرطبي - رحمه الله -: ثم الآية الرابعة جعلها الله بينه وبين عبده؛ لأنها تضمنت تذلل العبد لربه وطلب الاستعانة منه؛ وذلك يتضمن تعظيم الله - تعالى - (5).

ومنها قوله - تعالى - في معرض ذكر صفات عباده المؤمنين: ﴿الذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرءون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار﴾ [الرعد: 22]، قال ابن جرير الطبري - رحمه الله -: ابتغاء وجه ربهم أي طلب تعظيم الله وتنزيهاً له أن يخالف في أمره أو يأتي أمراً كره إتيانه فيعصيه به (1).

ومنها قوله - تعالى - في قصة نوح - عليه السلام - مع قومه: ﴿ما لكم لا ترجون لله وقارا﴾ [نوح: 13]، قال أبو السعود: أي ما لكم لا تؤملون له - تعالى - توقيراً أي تعظيماً لمن عبده وأطاعه (2).

ومنها قوله - تعالى - لما ذكر قصة أصحاب الجنة: ﴿قال أوسطهم ألم أقل لكم لو لا تسبحون﴾ [القلم: 28]، قال الثعالبي: قيل هي عبارة عن تعظيم الله والعمل بطاعته - سبحانه - (3).

ومنها حديث جبير بن مطعم - رضي الله عنه - حيث قال: أتى رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أعرابي، فقال: يا رسول الله! جُهدت الأنفس، وضاعت العيال، ونُهكت الأموال، وهلكت الأنعام، فاستسق الله لنا؛ فإنا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ويحك أتدري ما تقول؟»، وسبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، ثم قال: «ويحك إنه لا يُستشفع بالله على أحد من خلقه، شأن الله أعظم من ذلك .. » (4)؛ فالأعرابي لما قال: (فإنا نستشفع بالله عليك) جعل الله في مقام الشافع عند رسوله، وهذا تنقيص من قدره - جل وعلا -؛

الجامع في الرسائل الدعوية · الصفحة ٨٢٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الجامع في الرسائل الدعويةص ٨٢٦