فقد توعد الله من تنكبها وتهاون عن أدائها بالعقاب، فعن حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه -، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَامُرُنَّ بالمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ أو لَيُوشِكَنَّ الله أَنْ يَبْعَثَ عَليْكُمْ عِقَاباً مِنْهُ فَتَدْعُونَهُ فَلا يَسْتَجِيبُ لَكُمْ)) وعن زينب - رضي الله عنها -: قالت يا رسولَ الله أَنهلِك وفينا الصالحون؟ قال: ((نعم، إِذا كَثُرَ الخَبَث)) وقال - تعالى -: ﴿فلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَآ أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ *وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ ولم يقل صالحون، وبالنظر إلى الحديث والآية، يتبين الفرق بين الصالح والمُصلح؛ فالصالح بلا إصلاح هالكٌ مع الهالكين، بخلاف المصلح، الذي بإصلاحه تُدفع الهلكة عن العباد والبلاد.
ذكر الإمام البغوي عن الشعبي - رحمهما الله - قال: " خرج ناس من أهل الكوفة إلى الجُبانة يتعبدون واتخذوا مسجداً وبنوا بنياناً، فأتاهم عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - فقالوا: مرحباً بكَ يا أبا عبد الرحمن لقد سرنا أن تزورنا قال ما أتيتكم زائراً، ولست بالذي أترك حتى يهدم مسجد الجبان، إنكم لأهدى من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟! أرأيتم لو أن الناس صنعوا كما صنعتم من كان يجاهد العدو؟ من كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟ من كان يقيم الحدود؟ ... "
انظر لفقه ابن مسعود - رضي الله عنه -، كيف أنكر انفرادهم وانعزالهم للعبادة مع ترك الأولى، فكيف بمن ترك الإصلاح وتكاسل عنه وانشغل في أمور إما أن تكون مفضولة أو دون ذلك.
قال العلامة الشيخ حمد بن عتيق - رحمه الله -: ((فلو قدر أن رجلاً يصوم النهار، ويقوم الليل، ويزهد في الدنيا كلها، وهو مع ذلك لا يغضب، ولا يتمعر وجهه، ولا يحمر لله، فلا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر، فهذا الرجل من أبغض الناس عند الله، وأقلهم ديناً، وأصحاب الكبائر أحسن حالاً عند الله منه، وقد حدثني منْ لا أتهم عن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله تعالى -، أنه قال مرة: أرى ناساً يجلسون في المسجد على مصاحفهم يقرؤون ويبكون، فإذا رأوا المعروف لم يأمروا به، وإذا رأوا المنكر لم ينهوا عنه، وأرى أناساً يعكفون عندهم يقولون هؤلاء لحى غوانم، وأنا أقول: إنهم لحى فواين فقال السامع: أنا لا أقدر أقول: أنهم لحى فواين، فقال الشيخ: إنهم من العُمي البُكم.))
وهذا ما قرره ابن القيم - رحمه الله - من قبل، حيث قال: ((وقد غرّ إبليس أكثر الخلق بأن حسّن لهم القيام بنوع من الذكر، والقراءة، والصلاة،