تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نفث من الشيطان أضعفت هذا النور، ولهذا يضيء أحياناً، فيتيقظ ضميرك قليلاً، ثم لا يلبث حتى ينطفئ مرة أخرى وتعود إلى فعل السيئات.

وسأبين لك المرض الذي تعاني منه، ثم أصف لك العلاج، فاقرأ ما أقول لك بتمعن واهتمام؛ لعل الله - تعالى -ينفعك به.

القلب أيها الأخ الكريم، هو موضع الإرادة في الإنسان، فهو أحياناً يريد الخير، وأحياناً يريد الشر، والجوارح ليست سوى جنود تطيعه على وفق ما فيه من الإرادة. والفرق بين الملتزمين بالطاعة وبينك أنّ الملتزمين قلوبهم تريد الخير إرادة جازمة، ولهذا فجوارحهم تطيع هذه الإرادة، فهم مستقيمون على طاعة الله - تعالى -، وأما أنت فقلبك يعلم الخير والشر، ويفرق بين الحسنات والسيئات، ولكنه لا يستطيع أن يريد الخير، فتجده يريد الشهوات، مع أنه يعلم أنها تضرّه، فيأمر الجوارح فتطيعه، ولكن ما هو السبب؟

السبب هو أن القلب المحصن من الشيطان تسهل عليه إرادة فعل الخيرات؛ لأنه قلب صحيح قوي، والقلب الذي يمكن الشيطان أن يدخله فيتجول فيه كما يشاء، يستطيع الشيطان بسهولة أن يجعل فيه إرادة السيئات، بعدما يزينها له؛ لأنه قلب مريض مليء بالجراثيم الشيطانية.

ومن الناس من لا يدخل الشيطان قلبه إلا مروراً سريعاً؛ لقوة التحصينات حوله، فهذا مثل الذين يفعلون الصغائر أحياناً وسرعان ما يتوبون منها، وهم الذين قال الله - تعالى -عنهم: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ [الأعراف: 201]، ومن الناس من لا يقترب الشيطان من قلبه أبداً، لأن قلبه مثل السماء المحروسة بالشهب من الشياطين، فقلبه؛ كذلك محروس من الشيطان، وقال الرسول عن هذا القلب: ﴿أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض﴾ [رواه مسلم من حديث حذيفة - رضي الله عنه -]، ومن الناس من دخل الشيطان قلبه، فاتخذ فيه بيتاً، وجعل له فيه عشاً يبيض فيه ويفرخ، فاستحوذ عليه يأمر القلب بالشهوات المحرمة، فيريدها قلبه، فيأمر الجوارح بفعلها فتفعله؛ لأن الشيطان وجده قلباً خالياً من التحصينات، مفتح الأبواب، ضعيفاً مريضاً بفعل السيئات، ولهذا قال الله - تعالى -: استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله [المجادلة: 19]، لأن ذكر الله - تعالى -هو الحصن من الشيطان، فأنساهم إياه، ليستحوذ على قلوبهم فيقودها لتنقاد جوارحهم له تبعاً.

الجامع في الرسائل الدعوية · الصفحة ٧٣٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الجامع في الرسائل الدعويةص ٧٣٤