تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لما سمعته أول مرة، أمر مسلّم ينبغي ألا يكون موضع خلاف. ولكن المهم هنا أن حصر المثلية التي وقع بها التحدي القرآني بالبيان والبلاغة هو حصر لا أرى عليه دليلاً ولا أراه إلا استغراقاً في خصوصية ظروف عصر الرسالة حمل عليه الذهول عن أفق عالمية الرسالة.

لقد اختار الله - سبحانه وتعالى-العرب لحمل رسالته الخاتمة، فواجههم بالقرآن وتحداهم به فبهروا وانقطعوا واستسلموا، ولم تمض سنوات حتى أتم الله نعمته وأكمل دينه ودخل الناس في دين الله أفواجاً وتأسست قاعدة الدين في جزيرة العرب الذين انساحوا في الآفاق يحملون الهدى ويعلّمونه للناس. لقد كان إعجاز القرآن للعرب وخضوعهم له حقيقةً تاريخيةً ساطعة أبرزت لنا طرفاً من حكمة الله - سبحانه - في ما اختار لإرساء قاعدة رسالته الخاتمه فالذين يمارون في هذه الحقيقة لا يحملهم على الإنكار والجدال إلا الجحود والضيق بما تمّ من نعمة الله، ولا أجد لهم جواباً إلا قوله - تعالى -: "قل موتوا بغيظكم". أما أن يهولنا ما يقوله المفترون عن الشعر الجاهلي ونظن أن قضية الإعجاز هي في خطر!! فلا أحسب أن هذا من الحكمة في شيء فالحقيقة التاريخية التي مكنت للإسلام من الظهور والاستقرار والانتشار هي أكبر من أن ينكرها أو يشكك بها عاقل. وسيبقى التحدي بالقرآن قائماً ولو قصر تذوق الناس لبلاغته وبيانه أو جهلوا وجه إعجازه اللغوي وسحر بيانه في عصر من العصور أو ثقافة أخرى غير الثقافة العربية فالتحدي مطلق شامل عام لا يختص بالعرب ولغتهم ثقافتهم. ومع ذلك سيظل التمكن من لغة العرب ومعرفة بيانها وتصاريف استعمالها للمعاني شرطاً أساسياً لفهم القرآن وشرحه ومعرفة مراد الله منه.

و من جهة أخرى فقد توجه كثير من الباحثين على مر العصور إلى القرآن يمحصون فيه كل ما يخطر في بالهم من قضايا في إطار اختصاصهم وما تمرسوا فيه وأتقنوه، فما رجعوا إلا مستسلمين مذعنين. ومن هنا ذكر كثير من العلماء أبواباً من الإعجاز للقرآن الكريم لا تنحصر في قضايا اللغة والبيان، فذكروا الإعجاز العلمي والإعجاز الأخلاقي والإعجاز النفسي والإعجاز التشريعي والإعجاز التاريخي. وفي كل هذه الأنواع من الإعجاز ذكر العلماء وأطالوا فيما يثبت أن نمط القرآن وطريقة عرضه وتناوله لهذه الأمور مختلف ومفارق لما عهده البشر في محاولاتهم للتدوين والتأليف في هذه الموضوعات والأبواب من المعرفة، وهذه هي عين القضية التي تناولها علماء البيان ليثبتوا مفارقة بيان القرآن لبيان البشر.

الجامع في الرسائل الدعوية · الصفحة ٦٦٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الجامع في الرسائل الدعويةص ٦٦٧