وَسَأَلَ عَنْ عَلَامَتِهِ: عَرَفَ أَنَّهُ النَّبِيُّ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ الْمَسِيحُ وَهُوَ الَّذِي كَانَ وَعَدَ اللَّهُ بِهِ إبْرَاهِيمَ فِي ابْنِهِ إسْمَاعِيلَ وَجَعَلَ يَدْعُو قَوْمَهُ النَّصَارَى إلَى مُتَابَعَتِهِ وَأَكْرَمَ كِتَابَهُ وَقَبَّلَهُ وَوَضَعَهُ عَلَى عَيْنَيْهِ وَقَالَ: وَدِدْت أَنِّي أَخْلُصُ إلَيْهِ حَتَّى أَغْسِلَ عَنْ قَدَمَيْهِ وَلَوْلَا مَا أَنَا فِيهِ مِنْ الْمُلْكِ لَذَهَبْت إلَيْهِ. وَأَمَّا النَّجَاشِيُّ مَلِكُ الْحَبَشَةِ النَّصْرَانِيُّ؛ فَإِنَّهُ لَمَّا بَلَغَهُ خَبَرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ هَاجَرُوا إلَيْهِ: آمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ وَبَعَثَ إلَيْهِ ابْنَهُ وَأَصْحَابَهُ مُهَاجِرِينَ. وَصَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ لَمَّا مَاتَ. وَلَمَّا سَمِعَ سُورَةَ ﴿كهيعص﴾ بَكَى. وَلَمَّا أَخْبَرُوهُ عَمَّا يَقُولُونَ فِي الْمَسِيحِ قَالَ: وَاَللَّهِ مَا يَزِيدُ عِيسَى عَلَى هَذَا مِثْلَ هَذَا الْعُودِ. وَقَالَ: إنَّ هَذَا وَاَلَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى لَيَخْرُجُ مِنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ. وَكَانَتْ سِيرَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ مِنْ النَّصَارَى صَارَ مِنْ أُمَّتِهِ لَهُ مَا لَهُمْ وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْهِمْ. وَكَانَ لَهُ أَجْرَانِ: أَجْرٌ عَلَى إيمَانِهِ بِالْمَسِيحِ وَأَجْرٌ عَلَى إيمَانِهِ بِمُحَمَّدِ. وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ مِنْ الْأُمَمِ فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِقِتَالِهِ كَمَا قَالَ فِي كِتَابِهِ: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾. فَمَنْ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ بَلْ يَسُبُّ اللَّهَ وَيَقُولُ: إنَّهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَأَنَّهُ صُلِبَ. وَلَا يُؤْمِنُ بِرُسُلِهِ؛ بَلْ يَزْعُمُ أَنَّ الَّذِي حَمَلَ وَوَلَدَ وَكَانَ يَاكُلُ وَيَشْرَبُ وَيَتَغَوَّطُ وَيَنَامُ: هُوَ اللَّهُ وَابْنُ اللَّهِ. وَأَنَّ اللَّهَ أَوْ ابْنَهُ حَلَّ فِيهِ وَتَدَرَّعَهُ وَيَجْحَدُ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ خَاتَمُ الْمُرْسَلِينَ وَيُحَرِّفُ نُصُوصَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ؛ فَإِنَّ فِي الْأَنَاجِيلِ الْأَرْبِعَةِ مِنْ التَّنَاقُضِ وَالِاخْتِلَافِ بَيْنَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَأَوْجَبَهُ مَا فِيهَا وَلَا يَدِينُ الْحَقَّ. وَدِينُ الْحَقِّ هُوَ الْإِقْرَارُ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَأَوْجَبَهُ مِنْ عِبَادَتِهِ وَطَاعَتِهِ وَلَا يُحَرِّمُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؛ مِنْ الدَّمِ وَالْمَيْتَةِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ الَّذِي مَا زَالَ حَرَامًا مِنْ لَدُنْ آدَمَ إلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَبَاحَهُ نَبِيٌّ قَطُّ؛ بَلْ عُلَمَاءُ النَّصَارَى يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ وَمَا يَمْنَعُ بَعْضَهُمْ مِنْ إظْهَارِ ذَلِكَ إلَّا الرَّغْبَةُ وَالرَّهْبَةُ. وَبَعْضُهُمْ يَمْنَعُهُ الْعِنَادُ وَالْعَادَةُ وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَلَا يُؤْمِنُونَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ؛ لِأَنَّ عَامَّتَهُمْ وَإِنْ كَانُوا يُقِرُّونَ بِقِيَامَةِ الْأَبْدَانِ؛ لَكِنَّهُمْ لَا يُقِرُّونَ بِمَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَاللِّبَاسِ وَالنِّكَاحِ وَالنَّعِيمِ وَالْعَذَابِ فِي الْجَنَّةِ وَالنَّارِ؛ بَلْ غَايَةُ مَا يُقِرُّونَ بِهِ مِنْ النَّعِيمِ السَّمَاعُ وَالشَّمُّ. وَمِنْهُمْ مُتَفَلْسِفَةٌ يُنْكِرُونَ مَعَادَ الْأَجْسَادِ وَأَكْثَرُ عُلَمَائِهِمْ زَنَادِقَةٌ وَهُمْ يُضْمِرُونَ ذَلِكَ وَيَسْخَرُونَ بِعَوَامِّهِمْ؛ لَا سِيَّمَا بِالنِّسَاءِ والمترهبين مِنْهُمْ: بِضَعْفِ الْعُقُولِ. فَمَنْ هَذَا حَالُهُ فَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِجِهَادِهِ حَتَّى يَدْخُلَ فِي دِينِ اللَّهِ أَوْ يُؤَدِّيَ الْجِزْيَةَ وَهَذَا دِينُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ثُمَّ الْمَسِيحُ لَمْ يَامُرْ بِجِهَادِ؛ لَا سِيَّمَا بِجِهَادِ الْأُمَّةِ
الجامع في الرسائل الدعوية · الصفحة ١٣٦
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
الجامع في الرسائل الدعويةص ١٣٦
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي