اضطرارا، إذ محاولة الأدلة على إثباتها حيد عن التحقيق. فإن المعلوم ضرورة لا ينفي نظراً. وإيضاح ذلك أن الألوان المعتورة على الذات تدرك حساً وتعلم اضطرارا وكذلك من أحسّ من نفسه لذة، ثم أحس بعقبها ألماً وكذلك القول فيما يدرك من الأعراض ببعض الحواس كالأصوات المدركة بحاسة السمع، والطعوم المدركة بحاسة الذوق، والروائح المدركة بحاسة الشم، والحرارة والبروة المدركتان بحاسة اللمس. فمن جحد هذه المعاني انقطع عنه الكلام، إن أثبتوها وأنكروا مغايرتها للجواهر، كان إثبات ذلك هيناً. وذلك أنا نقول: إذا أحسنا لذة، فنعلم ضرورة عدم الألم معها، ثم إذا زالت اللذة، وثبت الألم، فنعلم أن هذا لم يكن فثبت، ولو كان عين الذات كان قبل ذلك إذ كان الذات قبل، وهذا لا مخلص لهم منه، فاطراه في كل عرض محسوس.
ومما نستدل به أن نقول: إذا قدر الواحد على الحركة والتقلب في الجهات، فيعلم من نفسه حال القادرين بديهة، ويفصل عن كونه قادراً، وبين كونه عاجزاً ممنوعاً. ثم يعلم اضطرارا أن قدرته قدرة على مقدور، إذ يتناقض القول، لو لم يكن كذلك. ويستحيل أن يقال: هو يقدر وليس له مقدور. ووضوح ذلك يغنى عن الإغراق فيه. فإذا وضح ذلك قلنا: فلا يخلو مقدوره: إما أن يكون عين الذات، وإما أن يكون معنى زائداً عليه، وإما أن يكون إعدام معنى من الذات، أو إعدام الذات. ويستحيل أن يكون المقدور عين الجوهر، إذ الجوهر مستمر الوجود، ولا تتعلق القدرة إلا بأثر من الآثار يتجدد. ووجود الجوهر ليس بأثر متجدد، ويستحيل أن يكون المقدور عدم الذات، إذ الذات مستمرة المقدور إعدام معنى، فإن العدم نفي محض، وليس بأثر، ومعلق القدرة أثر.