جعلتم الجوهر شرطاً في العرض، إذ كل واحد منهما يفتقر إلى الثاني.
وقد رام بعض الأصحاب انفصالا من ذلك، فقال: ما من عرض إلا وهو يفتقر إلى الجوهر، وإن لم يفتقر إلى معين من الجواهر، فهو مفتقر إلى جنس الجوهر، والجواهر لا تفتقر إلى جنس من الإعراض. إذ ما من جنس يشار إليه، إلا والجوهر غير مفتقر إليه.
ولا يبطل ذلك بأن بقول السائل: ما من جوهر إلا والعرض غير مفتقر إليه، بأن يقدر في غيره بدلا عنه، وذلك لأن الغير المقدر، بدلا من جنس ما قدر الاستغاء عنه. والذي تقدر استغناء الجوهر عنه من الأعراض، يجوز أن لا يكون من جنس ما قام بالجوهر. فإن الجواهر جنس واحد، والأعراض تشتمل على المختلفات.
قال القاضي: وهذا الذي راموه صحيح في أعراضهم، ولكن لو قال: إن من شرط وجود الجوهر قيام قبيل من الأعراض به، لم يكن مبعداً في مجاري الشروط، إذ لا معول فيها على التجانس والاختلاف، والأصح هذا الذي ذكره القاضي.
فإن قال قائل: هذا يؤدي إلى إثبات شيئين كل واحد منهما شرط في الثاني، وقد امتنع السلف من ذلك، وشحنوا مصنفاتهم باستحالة كون الشيء شرطاً فيما هو شرط فيه. والذي ذكره القاضي يفضي إلى ذلك.
قلنا: هذا غلط، وذهول عن مراد المشايخ. فلا استنكار في ثبوت شيئين مقترنين كل واحد منهما شرط في الثاني، على معنى أن يفتقر وجود كل واحد منهما إلى الثاني. وإنما الذي أنكره المحققون تقدير شيئين مترادفين متعاقبين، وكل واحد مشروط بتقدم صاحبه. فهذا هو المستحيل المدرك بطلانه ضرورة.
وقد مثل الأئمة ذلك بمثال فالوا: لو قال القائل لمن يخاطبه: لا أعطيك درهما