وربما يقول السائل في إيضاح السؤال: إن قلتم بجواز ذلك، فما يؤمنك أن يوجب كون العالم عالماً تارة العلم، وتارة القدرة. هذا لو جّوز إثبات حكم بعلتين مختلفتين. قالوا: وإن منعتم ذلك، جركم إليه أصلكم. فإن الرب سبحانه عالم بواد معين بكون الواحد منا عالماً به، ثم علمه يخالف علمنا، فقد أثبتم حكما واحداً بعلتين مختلفتين.
والمعتزلة تتوصل السؤال في ظنها وتوهمها إلى صد أهل الإثبات عن إثبات الصفات بطريق العلل. فإن ما ثبت معللا شاهداً، فسبيل طرده أن يثبت غائباً معللا بمثل العلة التي تثبت شاهداً. فالوا: وقد امتنع عليكم إثبات علة غائباً تماثل العلة شاهداً. وهذا قادح في طريق الاستدلال، وهذا من أعظم تمويهاتهم. وكذلك للقاضي فيه جوابا يشفي، ولكنه يستقصي السؤال، ولا يغرق في الجواب. ونحن، بعون الله، نستقصي القول فيه إن شاء الله فنقول: إذا اتصف الرب سبحانه وتعالى بكونه عالماً بشيء، واتصف الواحد منا بكونه عالماً به، فلا يتصف الحكمان بحقيقة التماثل والاختلاف لما أوضحناه في الأحوال بكونها لا تتصف بكونها أشياء. والاختلاف والتماثل من صفات الوجود، ولكن يقدر فيهما التماثل والاختلاف. فمهما اختلفت العلل، قيل في أحكامها: إنها في حكم المختلفة. فإذا وضح ذلك، فنقول: في كون الرب تعالى عالماً بالشيء، أنه في حكم المخالفة لكوننا عالمين به، إذ لو كان في حكم المماثلة، لتماثل الموجبان لا محالة، أفضي ذلك إلى إثبات علم حادث للقديم.
فإن قيل: ليس اجتماع الشيئين في أخص أوصافهما، أو في أخص أوصاف أحدهما، يوجب تماثلهما. ونحن نعلم أن أخص أوصاف علمنا بالسواد، كونه علما به. وقد تحقق هذا المعنى في علم القديم. وهذا مما قدمنا الجواب عنه على الاستقصاء في كتاب ((التماثل والاختلاف)).