تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما الناعق بهذه البدعة اليوم فمن العلماء المتخرجين في الأزهر ومن قضاة

المحاكم الشرعية ﴿إن هذا لشيء عجاب﴾ (ص: 5) , ومن بيت كريم في هذه

البلاد عرف أهله بالآداب العالية والأخلاق وبالدين أيضا , خلاصة هذه البدعة:

أنه ليس للإسلام خلافة ولا إمامة ولا حكومة ولا تشريع سياسي ولا قضائي ,

وأنه دين روحاني محض كدين النصارى بالمعنى الذي فهمته شيعة البروتستانت

منهم دون من قبلهم , وأن ما ادعاه المسلمون من عهد أبي بكر الصديق رضي الله

عنه إلى يومنا هذا من أمر الإمامة والخلافة باطل من القول وضلال من العمل،

وفساد في الأرض، لما جعلوه للخليفة من السلطان الديني الإلهي، وإنما أضل

جماعة المسلمين في ذلك الملوك؛ لتوطيد سلطانهم فيهم، وأن أبا بكر كان ملكا

للعرب أراد أن يحقق وحدتهم. ويجعل السلطان لقريش وحدهم فيهم، وليس له ولا

لمؤيديه حجة من الدين، ولم يكن جميع الخارجين عليه والمانعين أداء الزكاة له

مرتدين عن الإسلام، وأن قتالهم لم يكن دينيا بل سياسيا للدفاع عن دولة العرب

ووحدتهم، والدين نفسه لم يوجب أن تكون للعرب ولا لغيرهم من المسلمين دولة

ولا وحدة , بل لكل فريق من المسلمين عربهم وعجمهم أن يقيموا لأنفسهم حكومة

يرضونها، ودين الإسلام لم يقيدهم في ذلك بقيد ما , بل هو بريء من كل ما

عزوه إليه من ذلك.

هذه خلاصة البدعة الجديدة التي قام ببثها اليوم في العالم الإسلامي الشيخ علي

عبد الرازق (من علماء الجامع الأزهر وقضاة المحاكم الشرعية) المصرية بكتاب

ألفه فيها جاوزت صفحاته المائة، وهو يوزعه في الأقطار الإسلامية - على ما

بلغنا - بغير ثمن، وما كان لدعاة الأديان والمذاهب والأحزاب السياسية

والاجتماعية أن يستغلوا دعايتهم ويتجروا بالمال فيها فحسب الديني منهم ثواب الله

في الآخرة، والدنيوي عظمة الدنيا وجاهها والانتظام في سلك مؤسسي الانقلابات

الكبرى فيها.

ولا ينبغي لنا أن نكتفي في بيان ملخص هذه البدعة بما فهمناه من الكتاب من

غير نقل عبارته في النتيجة المرادة منه، وإن كان هذا الملخص مقدمة وتمهيدا لرد

طويل مفصل نبطل به نصوصه المختلبة، ومقاصده المختبلة، قال في الصفحة

الأخيرة منه (ص103) ما نصه:

(والحق أن الدين الإسلامي بريء من تلك الخلافة التي يتعارفها المسلمون

وبريء من كل ما هيأوا حولها من رغبة ورهبة، ومن عزة وقوة، والخلافة ليست

في شيء من الخطط الدينية. كلا ولا القضاء ولا غيرهما من وظائف الحكم

ومراكز الدولة، وإنما تلك كلها خطط سياسية صرفة، لا شأن للدين بها، فهو لم

يعرفها ولم ينكرها ولا أمر بها، ولا نهى عنها، وإنما تركها لنا لنرجع فيها إلى

أحكام العقل وتجارب الأمم وقواعد السياسة) ، ثم قال إيضاحا لهذا:

(لا شيء في الدين يمنع المسلمين أن يسابقوا الأمم الأخرى في علوم

الاجتماع والسياسة كلها , وأن يهدموا ذلك النظام العتيق الذي ذلوا له واستكانوا إليه [1]

وأن يبنوا قواعد ملكهم ونظام حكومتهم على أحدث ما أنتجت العقول البشرية وأمتن

ما دلت تجارب الأمم على أنه خير أصول الحكم) .

أقول: القضية الأولى من هذا الإيضاح حق أريد به باطل وهو ما بعده،

فنظام الخلافة الإسلامية أفضل نظام عرفه البشر , وكان المسلمون أعز الأمم عندما

أقاموه , وما ذلوا واستكانوا لغير ربهم إلا عندما تركوه، وما كان لأمة عاقلة مستقلة

أن تبني قواعد ملكها ونظام حكومتها على أحدث تجارب غيرها من الأمم فتكون

كقدح الراكب لا تستقر على حال من القلق والاضطراب، ومن ذا الذي يحكم لها

بالخيرية بين الجمهورية والملكية، وبين الاشتراكية والبلشفية والرأسمالية مثلا؟

وإذ كان يقول: هذا حكم الإسلام في المسألة عنده فماذا يقول فيما في القرآن

والسنة من الأحكام السياسية: كالمعاهدات والمعاهدين وأحكام الحرب , والأحكام

القضائية الشخصية كالمواريث والزواج والطلاق والعدة , والأحكام المدنية كتحريم

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ٣٩