49.12
الحق سبحانه يأمرنا أن نجنتب كثيرا من الظن، والظن هو الخاطر يخطر بالبال. وهو نوعان: ظن حسن، وظن سيء، الظن الحسن لا شيء فيه ولا إثم عليه، بل هو من مطلوبات الشرع كما سنرى، والمنهي عنه هنا هو ظن السوء الذي يؤدي إلى فساد في العلاقات ويترتب عليه عقوبة. لذلك علمنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نجتنب ظن السوء،
" فلما كان صلى الله عليه وسلم معتكفا وجاءته السيدة صفية تطلب منه شيئا فخرج إليها وكانت محتجبة، ورآهما أبو بكر وعمر فانصرفا مخافة أن يراهما رسول الله وهو في هذه الحالة لكنه ناداهما وقال: على رسلكما يعني: قفا إنها صفية، وعلما ما أراد رسول الله، فقالا له: لا يكون هذا معك يا رسول الله، فقال: " إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ".
إذن: فسيدنا رسول الله يعلمنا أن نغلق باب ظن السوء، ونقطع أسبابه ونربأ بأنفسنا أن نضعها في هذا الموضع. وفي قصة الإفك في سورة النور يعلمنا الحق سبحانه ويحثنا على أن نظن بالمؤمنين خيرا، وأن نبتعد عن ظن السوء فيهم، فيقول سبحانه عن حديثهم في شأن السيدة عائشة:
لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذآ إفك مبين
[النور: 12]. والظن الحسن هو أن تحتاط للأمر، ولا تجعل له أثرا سيئا في نفسك، فمثلا إن جاءك رجل وقال لك: إن في هذا الطريق جماعة يتربصون بك ويريدون بك شرا، كان عليك أن تأخذ بالأحوط لك وأن تصدقه وتحذر ما حذرك منه، لأن الغالب أنه يريد لك السلامة لا يريد لك الإيذاء. أما إن كان الظن يترتب عليه حكم شرعي، فقد وجب عليك أن تتحقق من صحته. وتأمل دقة الأداء القرآني واحتياطه في قوله تعالى: ﴿ كثيرا من الظن.. ﴾ [الحجرات: 12] يعني: أن أكثر الظن ظن سيء يجب اجتنابه، والقليل ظن حسن لا مانع منه، لذلك قال بعدها: ﴿ إن بعض الظن إثم.. ﴾ الحجرات: 12] لا كله، فاحذر أن تقع في الإثم حين تظن بالمؤمنين السوء دون بينة. وقوله سبحانه: ﴿ ولا تجسسوا.. ﴾ [الحجرات: 12] لا تتبعوا عورات الناس ولا تبحثوا عن خصوصياتهم، وفي الحديث:
" من تتبع عورات المسلمين تتبع الله عورته حتى يفضحه في عقر داره ".
ونذكر هنا لطيفة من لطائف أسماء الله الحسنى تلاحظ أن كثيرا من أسمائه تعالى لها مقابل كما في المحيي المميت، المعز المذل القابض الباسط. لكن الستار ألها مقابل بنقول الفضاح؟ تعالى الله سبحانه عن هذه الصفة لأن ستره مسدول على عباده مهما حدث منهم لا يفضحهم، والستار صيغة مبالغة من ستر ساتر.
لذلك ورد في بعض الأحاديث قوله تعالى: أبغض العاصي ولكني أكره من يتتبعه، لماذا؟ لأن تتبع العورات والسقطات يشيع الفاحشة في المجتمع. فالحق سبحانه يحمي مجتمع الإيمان من هذا، ويكفي أن المستتر بالمعصية ما يزال عنده حياء الإيمان. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:
" إذا بليتم - أي بشيء من المعاصي - فاستتروا ".
وهذا كمن لا يقدر على الصوم مثلا وعنده عذر ويباح له الفطر، لكن مع ذلك لا يجوز له أن يجاهر بفطره أمام الناس، حتى لا يكون قدوة سيئة للشباب الذين لا يدركون هذه الأعذار. فحين يرونه يفطر تتربى عندهم خميرة ذهنية أنه يجوز لهم الفطر في رمضان، إذن: عليه أن يستر فطره حتى لا تحدث هذه الأسوة. ولخطورة التجسس، قال الفقهاء: لو أن رجلا يعيش في عشة من البوص والعيدان، وجاء آخر فنظر إليه من خلال الثقوب، فجاء صاحب العشة بعود ففقأ عينه لا يكون لعينه مقابل ولا تعويض، لأنه اقتحم على الأول منزله، ونظر إليه دون إذنه. ومثل هذا في سنة رسول الله حيث بلغه أن رجلا ينظر إليه من ثقب الباب. ويروى أن سيدنا عمر كان يتفقد أحوال رعيته، ويقوم بالعس ليلا، وقد بلغه أن رجلا يشرب الخمر مع أصحابه في بيته، فتسور عليه داره فوجده مع رجل من أصحابه جالسين، وليس في المجلس خمر ولا شيء من هذا. فلما رأه الرجل قال: لقد ظننت بي كذا وكذا، لكن فاتك من أمور الدين ما هو أهم من ذلك. أولا: دخلت البيت من السور، والله يقول: