وأتوا البيوت من أبوابها..
[البقرة: 189] ثانيا: دخلت علي بيتي بدون استئذان، فانصرف عمر ولم يقل شيئا. وفرق بين التجسس بالجيم والتحسس بالحاء التحسس تتبع وبحث عن الغير، لكن بدون قصد العورات، ومن ذلك قوله تعالى:
يبني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه..
[يوسف: 87] أي: ابحثوا عنه حتى تصلوا إليه، كما يفعل رجال المباحث مثلا. وقوله: ﴿ ولا يغتب بعضكم بعضا.. ﴾ [الحجرات: 12] هنا نهي عن الغيبة عموما، لأن القرآن لم يحدد من يغتاب ومن يغتاب فيه.
" ولما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغيبة قال: ذكرك أخاك بما يكره وهو غائب. فقال السائل: فإن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته، أي: افتريت عليه وكذبت ".
ثم يعطينا القرآن صورة حسية للغيبة، فيقول: ﴿ أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه.. ﴾ [الحجرات: 12] تأمل كم في هذه الصورة من منفرات تبين فظاعة هذا العمل، فالذي يغتاب أخاه في غيبته كالذي يأكل لحمه وهو ميت.
أي: غائب عن الحياة ولا يقدر أن يدافع عن نفسه. إذن: شبهه بصورة شنيعة تنفر منها النفس السوية. وقالوا: إن سبب نزول هذه الآية أنها نزلت فى الوليد بن عقبة ابن أبي معيط حينما بعثه رسول الله لجمع أموال الزكاة من بني المصطلق، وكان عليه لهم دية في الجاهلية، فلما رأوه خرجوا لمقابلته، فخاف منهم الثأر وعاد إلى رسول الله، وقال: إنهم امتنعوا عن دفع الزكاة. وروي أن أسامة بن زيد كان القائم على مؤنة الطعام في بيت رسول الله، فأراد رجلان أن يذهبا لكي يطعما في بيت رسول الله، فبعثوا سلمان الفارسي ليسأل أسامة الطعام، فلما سأله قال: ليس عندنا طعام، فعاد إليهما سلمان وقال: يقول أسامة: ليس عندنا طعام، قالا: بل عنده لكنه بخل به، ثم قالا لسلمان: أنت وجهك وجه شؤم، ولو ذهبت إلى بئر سميحا يعني: فوارا - لغاب ماؤه. وهكذا اغتابوا كلا من أسامة وسلمان، فلما رآهما رسول الله قال: إني لأشم من أفواهكم ريح لحم نتن، قالوا: يا رسول الله والله ما أكلنا لحما، قال: لقد اغتبتما أسامة وسلمان، اذهبا فارضوهما لأنك إذا لم ترض المغتاب فستكون عند الله أقبح من الزاني. لذلك لما اغتاب رجل ابن سيرين فجاءه وقال له: يا إمام أحل نفسي منك، فقال: لم؟ قال: لأني اغتبتك، فقال: أنا لا أحل ما حرم الله. والحسن البصري علم أن رجلا اغتابه، فأرسل إليه خادمه بطبق من الرطب، وقال له: قل له هذا هدية لك من سيدي، لأنه علم أنك أهديت إليه حسناتك بالأمس. هذا يدل على أنك تدفع حق من اغتبته من حسناتك، فإن لم تكن لك حسنات أخذ من سيئاته فطرح عليك، وقد دل على ذلك الحديث النبوي الشريف. وقوله تعالى: ﴿ واتقوا الله إن الله تواب رحيم ﴾ [الحجرات: 12] اتقوا الله فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه، وتجنبوا أسباب عقابه ﴿ إن الله تواب رحيم ﴾ [الحجرات: 12] أي: كثير التوبة على من تاب، كثير الرحمة لمن أناب. وهذا الختام يعطي العاصي الأمل في رحمة الله، ولا ييئس المغتابين من رحمته تعالى، فمن زل لسانه بالغيبة فليبادر بالتوبة، وإذا علم أن ربه تواب رحيم عاد من قريب ولا يستمريء هذه الفعلة ولا يتمادى فيها. وسبق أن أوضحنا أن من أعظم نعم الله علينا أن شرع لنا التوبة، وفتح لنا باب القبول، وإلا تمادى العاصون وفسدت الحياة. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى... ﴾.