49.7
الكلام هنا له علاقة بما حدث من مخالفة المسلمين لرأي رسول الله في الحديبية، فالحق سبحانه يقول لهم ﴿ واعلموا أن فيكم رسول الله.. ﴾ [الحجرات: 7] كأنه يقول لهم احترموا وجوده بينكم فهو رسول الله ولا يخفى عليه شيء لأنه مؤيد من الله، والله يخبره بالواقع، فليس علمه بالأمور كعلمكم. وكلمة ﴿ فيكم.. ﴾ [الحجرات: 7] تدل على الظرفية كما تقول: الماء في الكوب، أو المال في الخزانة، ومعلوم أن المظروف أغلى وأنفس من المظروف فيه، وأنتم ظرف لرسول الله ومنهج رسول الله لذلك قرأوا:
لقد جآءكم رسول من أنفسكم..
[التوبة: 128] بفتح الفاء. إذن: وجود رسول الله بينكم ميزة لكم وعصمة وحماية لأنه موصول بربه، وهذه المسألة كان يعلمها كفار مكة وصناديدهم، لكنهم غلبهم العناد والمكابرة وحجبتهم عن الإيمان. لذلك اجتمع في يوم من الأيام كل من أبي سفيان والحارث بن هشام وثابت بن قيس، وكان بلال يؤذن للصلاة، فقال ثابت: لقد رضي الله عن أبي حيث قبضه قبل أن يرى هذا المنظر، يعني: أن بلالا الحبشي الأسود هو الذي يؤذن لرسول الله، وقال الحارث: أما رأى رسول الله غير هذا الغراب الأسود يؤذن، وقال أبو سفيان: والله أحب أن أقول يعني مثل قولكما، لكني أخشى أن يخبر الله رسوله بما أقول. إذن: كان هؤلاء القوم يعلمون صدق رسول الله، لكن منعهم اللدد والعناد والكبر عن قبول الحق. أيضا تعلمون أن سيدنا رسول الله قد زوج ابنتيه رقية وأم كلثوم لولدين من أولاد أبي لهب، وكان هذا قبل البعثة، فلما اشتدت العداوة بين أبي لهب ورسول الله أجبر أبو لهب ولديه على تطليقهما. وفي يوم قابل أحد هذين الولدين رسول الله في الطريق ونظر إليه ثم تفل وتنبه رسول الله لما فعل، فدعا عليه وقال: يأكلك كلب من كلاب الله وبلغت هذه الدعوة أبا لهب فخاف على ولده، وعندما خرج مع القافلة التجارية إلى الشام جمع رجالها وقال لهم: إذا عرستم - يعني أويتم للمبيت - فاجعلوا ولدي فلانا بينكم، فإنني أخشى عليه دعوة محمد. إذن: كان يعلم أن محمدا على الحق، وأن دعوته مستجابة. وبالفعل جعلوه بينهم لما ناموا، وسلط الله عليه أسدا حقيقا اختطفه من بينهم. فصدق رسول الله كان معلوما لهؤلاء، وكانت ألسنتهم تغلبهم وتنطق بهذا التصديق، من ذلك قولهم:
لا تنفقوا على من عند رسول الله..
[المنافقين: 7] وأخبر الحق عنهم بقوله:
وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم ظلما وعلوا..
[النمل: 14]. وقوله تعالى: ﴿ لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم.. ﴾ [الحجرات: 7] ومن ذلك ما حدث منكم في الحديبية، فلو أطاعكم في عدم الصلح { لعنتم.
. } [الحجرات: 7] أصابكم العنت والمشقة والإثم. ومثلها قوله تعالى:
عزيز عليه ما عنتم..
[التوبة: 128] يعز عليه أن يراكم في مشقة، لأنه بكم رؤوف رحيم، فإن رآكم على المعصية استغفر لكم، وإن رآكم على الطاعة حمد الله، هذا حتى بعد أن يموت. ﴿ ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان.. ﴾ [الحجرات: 7] لكن هنا استدراك لما سبق، يعني أن رسول الله لم يطعكم فيما ذهبتم إليه من التصميم على دخول مكة وأداء العمرة، ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم، فعدتم إلى رأي رسول الله ولم تقضوا أمرا خلاف أمره ورضيتم به. وهذا نتيجة هداية الله لكم، وتحبيبه الإيمان وتزيينه في قلوبكم، فلولا ذلك لخرجتم عن أمره وهلكتم بعصيانكم له، وفي نفس الوقت ﴿ وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان.. ﴾ [الحجرات: 7] وهذا من أعظم نعم الله عليكم. ﴿ أولئك.. ﴾ [الحجرات: 7] أي: الذين اتصفوا بهذه الصفات فأحبوا الإيمان وكرهوا الكفر والفسوق والعصيان، أولئك ﴿ هم الراشدون ﴾ [الحجرات: 7] جمع راشد، وهو الذي التزم طريق الحق والهداية فلم يحد عنه، ومن ذلك قولنا: ترشيد النفقات وترشيد الاستهلاك، يعني أن نضعه في موضعه المناسب.