49.9
كلمة ﴿ طآئفتان.. ﴾ [الحجرات: 9] مثنى طائفة وهي مفرد في اللفظ، وإن دلت في واقعها على الجمع مثل كلمة قوم، تجمع طائفة على طوائف. وهذه الآية تقرر حكما يتعلق بالحرب وضرورة الصلح بين الطائفتين المتحاربتين، حتى لا تستمر الحروب بين المؤمنين بعضهم البعض. ونلاحظ هنا أن لفظ ﴿ طآئفتان.. ﴾ [الحجرات: 9] مثنى. والقياس أن يقول: اقتتلتا لكن القرآن جمعها فقال: ﴿ اقتتلوا.. ﴾ [الحجرات: 9] لماذا؟ قالوا: لأن الطائفة كتنظيم تتمثل في واحد، هو رئيس هذه الطائفة، لكن إذا دار القتال تقابل أفراد الطائفتين، فالقتال بمجموع الأفراد. بدليل أنه لما تحدث عن الصلح عاد إلى لفظ المثنى، فقال: ﴿ فأصلحوا بينهما.. ﴾ [الحجرات: 9] لأن مجلس الصلح ليس بالضرورة أن يحضره جميع أفراد الطائفة، بل ينوب عنهم شخص واحد يعقد الصلح. ﴿ فإن بغت إحداهما على الأخرى.. ﴾ [الحجرات: 9] أي: بعد أن تم الصلح وبغت إحدى الطائفتين على الأخرى. يعني: تعدت وتجاوزت الحد في العدوان ولم تحترم الصلح ﴿ فقاتلوا التي تبغي.. ﴾ [الحجرات: 9] أي: لردعها ﴿ حتى تفيء.. ﴾ [الحجرات: 9] ترجع ﴿ إلى أمر الله.. ﴾ [الحجرات: 9] أي: إلى الحق. وهكذا أصبح لدينا ثلاث طوائف، طائفتان اقتتلتا، وطائفة تحكم بينهما بالصلح، ذلك لأن المجتمع المؤمن في مجموعة مؤتمن على هذه المهمة، مهمة الحكم بين المتخاصمين، ولديه ما يؤهله للعدل وعدم الميل أو اتباع الأهواء في عملية الصلح، وإذا لم تتوافر هذه الشروط في الحكم لا يتم الصلح، بل تتفاقم الأمور وتزيد تعقيدا. ويكفي أن صاحب الهوى والميل في الحكومة بين الطرفين يسقط من نظر الجميع، حتى الفئة التي حكم لصالحها زورا تمقته، لذلك قالوا عن شاهد الزور: ترتفع الرؤوس على الخصم بشهادته، وتدوس الأقدام على كرامته. وقوله تعالى: ﴿ فإن فآءت.. ﴾ [الحجرات: 9] أي: بعد القتال وعادت إلى الصواب، فعودوا أنتم إلى الصلح ﴿ فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا.. ﴾ [الحجرات: 9] والمعنى: لا تتركوا الفئة التي فاءت إلى الحق دون أن تصلحوا بينهما، صحيح هي عادت إلى الحق لكن ما زال الخلاف قائما فلا بد من الصلح حتى لا تفرخ حربا أخرى وتبقى جذور الخلاف تتأجج في الصدور فتشعل المعارك من جديد. إذن: منعنا المعركة أولا، ورددنا المظالم إلى أهلها، ونزعنا فتيل الحرب. وكلمة ﴿ وأقسطوا.. ﴾ [الحجرات: 9] من أقسط يقسط فهو مقسط أي: اعدلوا بينهما ﴿ إن الله يحب المقسطين ﴾ [الحجرات: 9] العادلين، وهناك قسط يقسط فهو قاسط أي: جائر. ومنه قوله تعالى:
وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا
[الجن: 15] فالهمزة في أقسط همزة إزالة. أي: أزال الجور والظلم.