ورفع بعضكم فوق بعض درجات..
[الأنعام: 165] يعني كل منا مرفوع في شيء، ومرفوع عليه في شيء آخر. تعلمون أن بتهوفن الموسيقي الشهير كان أصم لا يسمع، وأن تيمور لنك الذي دوخ الدنيا بالفتوحات كان أعرج. هذا يعني أنك لا تسخر من أحد، ولا تحتقر أحدا لأنك رأيته أقل منك في شيء ما، فكلنا سواسية في ميزان الحق سبحانه، وكأنه سبحانه يريد أن يعطينا درسا في أنه سبحانه ليس له ولد وليس له صاحبة. لذلك كانت الجن أفضل فهما منا حين قالت:
وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا
[الجن: 3] فكلنا عيال الله، بل تبلغ هذه المساواة إلى أن رسول الله يأمرنا بأن نسوي بين أولادنا ولو في القبلة.
وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا كيف نتصرف إذا ما حدث بيننا شيء من التهكم أو السخرية، وكيف نقابله ونرد عليه. فيروي في سبب نزول هذه الآية
" أن السيدة صفية بنت حيي بن أخطب، وكان زعيم بني المصطلق، ولما غزاهم رسول الله كانت السيدة صفية في الأسرى فأراد صلى الله عليه وسلم أن يكرمها لأنها بنت ملكهم فتزوجها فغارت منها نساء النبي، والغيرة كما يقولون فقاقيع الحب. وكانت عائشة أكثر زوجات الرسول غيرة عليه، فقالت لصفية: يا يهودية بنت يهوديين، فذهبت صفية باكية إلى رسول الله وحكت له ما كان من عائشة، فضحك رسول الله لأنه يعلم غيرة عائشة عليه. لذلك لم يؤنب عائشة، إنما أرضى صفية وطيب خاطرها وقال لها: إن قالت لك هذا فقولي لها: ولكن أبي هارون وعمي موسى وزوجي محمد ".
انظر كيف عالج سيدنا رسول الله هذا الموقف. وكيف أعلى من شأن صفية، فهب سليلة الرسل والأنبياء وزوجة نبي، نعم رد يفحم ولا يخطر على بال أحد، ولم لا وقد أوتي صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم. ومثل هذا الموقف أيضا حدث
" من السيدة عائشة للسيدة فاطمة الزهراء بنت رسول الله، حيث كانت تغار من السيدة خديجة، ومن ثناء رسول الله عليها في كل موقف، حتى قالت له: ماذا يعجبك في عجوز شمطاء حمراء الشدقين، قد أبدلك الله خيرا منها؟ كيف رد رسول الله؟ قال لها: لا والله ما أبدلني الله خيرا منها، فقد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذا كذنبي الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله عز وجل ولدها إذ حرمني أولاد النساء ". وبعد ذلك لما قابلت فاطمة قال لها: لا يغرنك ثناء رسول الله على أمك، فقد تزوجها ثيبا وتزوجني بكرا، فلما اشتكت لرسول الله قول عائشة قال لها: إذا قالت لك هذا فقولي لها: ولكن أمي تزوجت رسول الله بكرا وأنت تزوجته ثيبا ".
والبعض يقول: كيف يحدث كل هذا في بيت رسول الله؟ نقول: نفهم من هذه الغيرة إلى جانب أنها علامة الحب لسيدنا رسول الله، إلا أنها أيضا تعني أن عائشة التي تزوجها رسول الله وهي بنت التاسعة، ومع ذلك كانت تغار على كبره، وهذا يعني أنه صلى الله عليه وسلم غير مزهود فيه. وقوله سبحانه: ﴿ ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب.. ﴾ [الحجرات: 11] هنا نهي عن صفة أخرى مذمومة لا تليق بأهل الإيمان، هي صفة اللمز وهو أن تعيب الآخرين، وتأمل دقة الأداء القرآني في قوله: ﴿ ولا تلمزوا أنفسكم.. ﴾ [الحجرات: 11] والإنسان لا يلمز نفسه إنما يلمز غيره، لكنه أنزل الآخرين منزلة الإنسان نفسه، ثم إنك حين تلمز الناس تجرئهم على أن يلمزوك، على حد قول الشاعر:
لسانك لا تذكر به عورة امريء
فكلك عورات وللناس ألسن
وعينك إن أبدت إليك مساوئا
فصنها وقل يا عين للناس أعين
ومن ذلك أيضا قوله تعالى:
فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم..
[النور: 61] لأنك حين تسلم على الناس يريدون عليك السلام فكأنك سلمت على نفسك. وقوله سبحانه: ﴿ ولا تنابزوا بالألقاب.. ﴾ [الحجرات: 11] نهي آخر عن التنابز بالألقاب. أي: لا يدع أحدكم أخاه بلقب يكرهه، والتنابز من نبز الشيء يعني: أبعده وتركه، كذلك حين تنادي شخصا بلقب يكرهه، فكأنك تبعده عنك وتوسع الفجوة بينك وبينه. والأسماء عندنا في اللغة اسم ولقب وكنية: الاسم هو ما يطلق على المسمى فيصير علما مثل محمد. واللقب هو ما يشعر بمدح أو ذم مثل الصديق، أو أن نسمي أحد الضعفاء مثلا سليمان بطة، أما الكنية فهي ما صدرت بأب أو أم. مثل أبي بكر، أم المؤمنين. إذن: لا يجوز أن ننادي شخصا مثلا بلفظ مكروه وهو لا يحبه ولا يحب أن ينادى به، من ذلك ما ذكرناه من قول عائشة لصفية: يا يهودية. والتنابز بالألقاب يزرع الأحقاد والضغائن، ويهيج الغرائز والغضب عليك، ولم لا تناديه بأحب الأسماء إليه لتعطفه إليك. حتى أن الفقهاء قالوا: إذا أذنب الرجل ذنبا ثم تاب منه إياك أن تذكره به أو تعيره به، لأن ذلك يعد قذفا له، إلى جانب أنك تعين عليه الشيطان، كمن تاب عن الخمر ونقول له يا خمورجي، أو تاب عن القمار ونقول له يا قمرتي وهكذا. لذلك قال بعدها: ﴿ بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان.. ﴾ [الحجرات: 11] يعني: بئس ما تقول لأخيك حينما تذكره بماض يريد أن ينساه، وقبيح بك أن تعيره بعد أن تاب، كما أنه قبيح بك الفسوق بعد الإيمان. ﴿ ومن لم يتب.. ﴾ [الحجرات: 11] يعني: عن التنابز بالألقاب ﴿ فأولئك هم الظالمون ﴾ [الحجرات: 11] نعم ظالمون لأنفسهم بعدم اتباع المنهج في هذا النهي، وظالمون لغيرهم حين ينادونهم بهذه الألقاب المكروهة، فمن حق الذي تاب ألا تذكره بعيبه، وألا تعيره به.