هذه يا شيخ رسالة وردت من محمد العيسى الحمود الجارياوي يقول في رسالته: إنني قرأت في كتاب وهو كتاب مسيحي، وفيه مكتوب أن المسيح ابن الله تعالى، وأنا أعرف أنه خطأ وكفر بالله، هل يلحقني ذنب في هذه القراءة؟ أرشدوني جزاكم الله خيرا، رغم أن الكتاب فيه عدة أخطاء وكفر بالله؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الكتاب الذي قرأت للمسيحي لم تبين أنه الإنجيل أو غيره، وعلى كل حال فإن الكتب السابقة كالتوراة والإنجيل قراءتها على ثلاثة أوجه: أحدها: أن يقرأها للاسترشاد بها والاستفادة منها، فهذا لا يجوز، وذلك لأن في القرآن والسنة ما يغني عنها. ثانيا: أن يقرأها ليعرف ما فيها من حق فيلزم به متبعيها، ويبين خطأهم في مخالفة ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، فهذا لا بأس به، بل هو مطلوب إما وجوبا وإما استحبابا. الثالث: أن يقرأها لمجرد المطالعة فقط ليعرف ما عندهم، وليس يريد أن يسترشد بها أو يهتدي بها عن القرآن والسنة، ولا أن يرد على متبعيها باطلهم، فالأولى هنا أن لا يفعل؛ لأنه يخشى أن يتأثر بها ويجعلها مصدرا لرشاده وهدايته.
***
حنان وسامية من بابلة الأردن المستمعتان تسألان: نحن نعلم بأن القرآن الكريم نزل مفرقا، وورد بالقرآن أنه نزل في ليلة القدر، هل معنى ذلك بأنه نزل في كل سنة من ليلة القدر؟ نرجو بهذا إفادة يا فضيلة الشيخ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إنه لا يخفى علينا جميعا أن القرآن كلام الله عز وجل؛ لقوله تعالى: (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه) أي: حتى يسمع القرآن. وليس المعنى أن هذا المستجير يسمع كلام الله نفسه من الله، بل إنما يسمع القرآن الذي هو كلام الله عز وجل، وأن هذا القرآن نزل من عند الله تعالى، كما قال الله تعالى: (تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم) . وكما قال تعالى: (نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين * بلسان عربي مبين) فالقرآن نزل من عند الله عز وجل، ونزوله كان مفرقا، كما قال تعالى: (وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا) . وقال تعالى: (وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا) . ولنزوله مفرقا فوائد كثيرة، ذكرها أهل العلم في التفسير في أصول التفسير. فأما قوله تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة القدر) . فقد اختلف المفسرون فيها، فقال بعضهم: (إنا أنزلناه) أي: ابتدأنا إنزاله في ليلة القدر، فيكون القرآن أول ما نزل في ليلة القدر، ثم نزل متتابعا حسب ما تقتضيه حكمة الله عز وجل. وقال بعض العلماء: إنه نزل إلى بيت العزة جميعا في ليلة القدر، ثم نزل إلى النبي صلى الله عليه وسلم مفرقا بعد ذلك. لكن الأول أقرب إلى الصواب؛ لأن قوله: (إنا أنزلناه) يقتضي إنزاله إلى منتهى إنزاله، وهو قلب النبي صلى الله عليه وسلم، ومعلوم أنه لم ينزل على قلب النبي صلى الله عليه وسلم جميعا في ليلة واحدة، بل نزل مفرقا، فيكون المعنى: (إنا أنزلناه) أي: إنا ابتدأنا إنزاله في ليلة القدر، ثم صار ينزل مفرقا حسب ما تقتضيه حكمة الله تبارك وتعالى.
***