أما المرتبة الثالثة فهي: الإيمان بعموم مشيئة الله، فهي أن تؤمن بأن كل ما في الكون فهو واقع بمشيئة الله، لا يخرج عن مشيئته شيء لا من فعله ولا من فعل عباده، والنصوص في هذا كثيرة، ومنها قوله تعالى: (ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد) . فبين الله عز وجل أن اقتتال هؤلاء المختلفين كان بمشيئته. وقال سبحانه وتعالى: (لمن شاء منكم أن يستقيم (28) وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين) . وأجمع المسلمون على هذه الكلمة العظيمة: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. فما في الكون شيء يحدث عدما أو وجودا إلا وهو بمشيئة الله سبحانه وتعالى. أما المرتبة الرابعة فهي: الإيمان بعموم خلق الله، أي: أن تؤمن بأن كل ما في الكون فهو مخلوق لله عز وجل في أعيانه وفي أوصافه، كما قال الله تعالى: (وخلق كل شيء فقدره تقديرا) . وقال تعالى: (الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل) . حتى العبد مخلوق لله تعالى بعينه وشخصه، وبأوصافه وقواه الظاهرة والباطنة، وبما ينشأ عن تلك القوى، فأفعال العبد مثلا مخلوقة لله، باعتبار أن هذه الأفعال ناشيءة عن قدرة في العبد وإرادة، والقدرة والإرادة من صفات العبد، والعبد مخلوق لله، فأوصافه كذلك مخلوقة له أي لله. فكما أن الأوصاف الخلقية الظاهرة مخلوقة لله، فكذلك الأوصاف الخلقية والفكرية الباطنة مخلوقة لله كذلك. وهذه المراتب الأربع يؤمن بها أهل السنة والجماعة جميعها، فعلينا أن نؤمن بها ونصدق، لكن مع ذلك نعلم علم اليقين أن للإنسان إرادة وقدرة، فهو يريد الشيء فعلا وتركا أي: يريد أن يفعل فيفعل إذا كان له قدرة، ويريد أن يترك فيترك، ولكن خالق القدرة وخالق الإرادة هو الله عز وجل، فهو ينسب- أي: فعل العبد- إلى الله تعالى خلقا وإرادة، وإلى العبد فعلا وكسبا، مع أنه داخل تحت إرادة العبد وقدرته، فلولا أن الله تعالى أقدر العبد على الفعل ما فعل؛ لعجزه عنه، ولولا أن الله خلق فيه الإرادة ما فعل؛ لعدم وجود الإرادة.
***