43.65-89
المناسبة: لما ذكر تعالى أمر عيسى ودعوته إلى الدين الحق، أتبعه بذكر ضلال أهل الكتاب حيث تفرقوا شيعا وأحزابا في شأنه، فقال بعضهم إنه إله، وقال بعضهم إنه ابن الإله، وقال آخرون إنه ثالث ثلاثة، ثم ذكر تعالى أحوال القيامة وأهوالها، وختم السورة الكريمة ببيان صفات المعبود الحق، الواحد الأحد جل وعلا.
اللغة: ﴿ الأخلاء ﴾ جمع خليل وهو الصديق الحميم ﴿ تحبرون ﴾ تسرون وتفرحون، والحبور: السرور والفرح ﴿ أكواب ﴾ جمع كوب وهو القدح الذي لا عروة له ﴿ مبلسون ﴾ آيسون من الرحمة، وحزينون من شدة اليأس ﴿ أبرموا ﴾ أحكموا الشيء يقال: أبرم القوم أمرهم أحكموه، والإبرام، الإحكام ﴿ يؤفكون ﴾ يقلبون ويصرفون، أفكه أفكا أي قلبه وصرفه عن الشيء.
سبب النزول: عن مقاتل قال: مكر المشركون بالنبي صلى الله عليه وسلم في دار الندوة، وتآمروا على قتله حين استقر أمرهم على ما أشار به أبو جهل عليهم، وهو أن يبرز من كل قبيلة رجل ليشتركوا في قتله وتضعف المطالبة بدمه فنزلت: ﴿ أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون ﴾.
التفسير: ﴿ فاختلف الأحزاب من بينهم ﴾ أي اختلفت فرق النصارى في شأن عيسى وصاروا شيعا وأحزابا فيه قال ابن كثير: صاروا شيعا فيه، منهم من يقر بأنه عبد الله ورسوله - وهو الحق -، ومنهم من يدعي أنه ولد الله، ومنهم من يقول إنه الله، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا ﴿ فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم ﴾ أي فهلاك ودمار لهؤلاء الكفرة الظالمين من عذاب يوم مؤلم وهو يوم القيامة ﴿ هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة ﴾ أي هل ينتظر هؤلاء المشركون المكذبون إلا إتيان الساعة ومجيئها فجأة ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ أي وهم غافلون عنها مشتغلون بأمور الدنيا، وحينئذ يندمون حيث لا ينفعهم الندم، ثم ذكر تعالى أحوال القيامة فقال ﴿ الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين ﴾ أي الأصدقاء والأحباب يوم القيامة يصبحون أعداء إلا من كانت صداقته ومحبته لله قال ابن كثير: كل خلة وصداقة لغير الله، فإنها تنقلب يوم القيامة عداوة إلا ما كان لله عز وجل فإنه دائم بدوامه قال ابن عباس: صارت كل خلة عداوة يوم القيامة إلا المتقين تشريفا وتطييبا لقلوبهم فيقول: ﴿ يعباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون ﴾ يا عباد المؤمنين الذين تحققتم في العبودية لرب العالمين، لا خوف عليكم في هذا اليوم العصيب، ولا أنتم تحزنون على ما فاتكم من الدنيا، ثم وضحهم بقوله ﴿ الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين ﴾ أي هم الذين صدقوا بالقرآن، واستسلموا لحكم الله وأمره، وانقادوا لطاعته ﴿ ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون ﴾ أي يقال لهم: أدخلوا الجنة أنتم ونساؤكم المؤمنات، تنعمون فيها وتسرون سرورا يظهر أثره على وجوهكم ﴿ يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب ﴾ أي يطاف على أهل الجنة بأوان من الذهب فيها طعام، وأقداح من ذهب فيها الشراب قال المفسرون: آنية أهل الجنة التي يأكلون فيها الطعام، والكئوس التي يشربون فيها الشراب كلها من ذهب وفضة كما قال تعالى
ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا
[الإنسان: 15] وفي الحديث
" لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة "
﴿ وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ﴾ أي وفي الجنة كل ما تشتهيه النفوس من أنواع اللذائذ والمشتهيات، وتسر به الأعين من فنون المناظر الجميلة، والمشاهد اللطيفة ﴿ وأنتم فيها خالدون ﴾ أي وأنتم في الجنة باقون دائمون، لا تخرجون منها أبدا قال أبو السعود: وهذا إتمام للنعمة وإكمال للسرور، فإن كل نعيم زائل موجب لخوف الزوال.. لما ذكر الجنة وأنها موضع الحبور، ذكر ما فيها من النعم، فذكر أولا المطاعم، ثم ذكر المشارب، ثم بعد ذلك التفصيل ذكر بيانا كليا بقوله ﴿ وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ﴾ ثم ذكر تمام النعمة بالخلود في دار النعيم، وهذا حصر لأنواع النعم، لأنها إما مشتهاة في القلوب، أو مستلذة في العيون ﴿ وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون ﴾ أي وتلك الجنة الموصوفة بتلك الأوصاف الجليلة أعطيتموها بسبب أعمالكم الصالحة التي قدمتموها في الدنيا قال ابن كثير: أي أعمالكم الصالحة كانت سببا لشمول رحمة الله إياكم، فإنه لا يدخل أحد الجنة بعمله، ولكن برحمة الله وفضله، وإنما الدرجات ينال تفاوتها بحسب الأعمال الصالحات وفي الحديث