تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

43.26-45

المناسبة: لما حكى عن المشركين تقليدهم الأعمى للآباء، ذكر هنا إمام الحنفاء إبراهيم عليه السلام، الذي يفتخر به العرب وينتسبون إليه، وتبرءه من قومه ومن عبادة الأوثان، للمقارنة بين الهدى والضلال، وبين منطق العقل السديد، ومنطق الهوى والتقليد.

اللغة: ﴿ برآء ﴾ مصدر بمعنى بريء أي متبرىء يقال: تبرأت من الأمر أي تخليت عنه بالكلية ﴿ عقبه ﴾ ذريته ونسله قال ابن شهاب: العقب: الولد وولد الولد ﴿ سخريا ﴾ أي مسخرا في العمل مستخدما فيه ﴿ معارج ﴾ مصاعد ومراقي جمع معراج وهو ما يصعد عليه الإنسان كالدرج ونحوه ﴿ يظهرون ﴾ يرتقون ويصعدون ﴿ زخرف ﴾ زينة من ذهب وفضة وغيرهما ﴿ يعش ﴾ يعرض وأصله من عشي البصر إذا ضعف قال الخليل: العشو هو النظر ببصر ضعيف.

التفسير: ﴿ وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني برآء مما تعبدون ﴾ أي واذكر يا محمد حين قال إبراهيم الخليل لأبيه وقومه المشركين إنني بريء من هذه الأوثان التي تعبدونها من دون الله ﴿ إلا الذي فطرني فإنه سيهدين ﴾ أي لكن ربي الذي خلقني وأنشأني من العدم فإنه يرشدني إلى الدين الحق، ويهديني إلى طريق السعادة ﴿ وجعلها كلمة باقية في عقبه ﴾ أي وجعل إبراهيم هذه الكلمة - كلمة التوحيد - باقية في ذريته فلا يزال فيهم من يوحد الله ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ أي رجاء أن يرجع إلى الإيمان من أشرك منهم من قال مجاهد: " وجعلها كلمة " يعني " لا إله إلا الله " لا يزال في ذريته من يقولها إلى يوم الدين ﴿ بل متعت هؤلاء وآبآءهم ﴾ أي بل متعت أهل مكة وآبائهم - وهم من عقب إبراهيم - بالإمداد في العمر والنعمة، فاغتروا بالمهلة واشتغلوا بالتنعم واتباع الشهوات عن كلمة التوحيد ﴿ حتى جآءهم الحق ورسول مبين ﴾ أي حتى جاءهم القرآن ورسول ظاهر الرسالة، مؤيد بالمعجزات الباهرة من عند الله قال الإمام الفخر: وجه نظم الآية أنهم لما عولوا على تقليد الآباء، ولم يتفكروا في الحجة، اغتروا بطول الإمهال وإمتاع الله إياهم بنعيم الدنيا فأعرضوا عن الحق ﴿ ولما جآءهم الحق قالوا هذا سحر ﴾ أي ولما جاءهم القرآن لينبههم من غفلتهم، ويرشدهم إلى التوحيد، ازدادوا عتوا وضلالا فقالوا عن القرآن إنه سحر ﴿ وإنا به كافرون ﴾ أي ونحن كافرون به، لا نصدق أنه كلام الله قال أبو السعود: سموا القرآن سحرا وكفروا به واستحقروا الرسول عليه السلام، فضموا إلى كفرهم السابق معاندة الحق والاستهانة به ﴿ وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ﴾ أي وقال المشركون: هلا أنزل هذا القرآن على رجل عظيم كبير في مكة أو الطائف!! قال المفسرون: يعنون " الوليد بن المغيرة " في مكة أو " عروة بن مسعود الثقفي " في الطائف.

. استبعدت قريش نزول القرآن على محمد وهو فقير يتيم، واقترحوا أن ينزل على أحد الرؤساء والعظماء، ظنا منهم أن العظيم هو الذي يكون له مال وجاه، وفاتهم أن العظيم هو الذي يكون عند الله تعالى عظيما، وهم يعتبرون مقياس العظمة: الجاه والمال، وهذا رأي الجاهلين في كل زمان ومكان، أما مقياس العظمة الحقيقية عند الله تعالى وعند العقلاء، فإنما هو عظمة النفس، وسمو الروح، ومن أعظم نفسا وأسمى روحا من محمد ابن عبد الله عليه الصلاة والسلام!! ولهذا رد تبارك وتعالى عليهم بقوله ﴿ أهم يقسمون رحمت ربك ﴾؟ أي أهم يمنحون النبوة ويخصون بها من شاءوا من العباد، حتى يقترحوا أن تكون لفلان الغني، أو فلان الكبير من الناس؟ ﴿ نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ﴾ أي نحن بحكمتنا جعلنا هذا غنيا وهذا فقيرا، وفاوتنا بينهم في الأموال والأرزاق، وإذا كان أمر المعيشة - وهو تافه حقير - لم نتركه لهم بل تولينا قسمته بأنفسنا، فكيف نترك أمر النبوة - وهو عظيم وخطير - لأهوائهم ومشتهياتهم!! قال في التسهيل: كما قسمنا المعايش في الدنيا كذلك قسمنا المواهب الدينية، وإذا كنا لم نهمل الحظوظ الحقيرة الفانية، فأولى وأحرى ألا نهمل الحظوظ الشريفة الباقية ﴿ ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ﴾ أي فاضلنا بين الخلق في الرزق والعيش، وجعلناهم مراتب: هذا غني، وهذا فقير، وهذا متوسط الحال ﴿ ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ﴾ أي ليكون كل منهم مسخرا للآخر، ويخدم بعضهم بعضا، لينتظم أمر الحياة قال الصاوي: إن القصد من جعل الناس متفاوتين في الرزق، لينتفع بعضهم ببعض، ولو كانوا سواء في جميع الأحوال لم يخدم أحد أحدا، فيفضي إلى خراب العالم وفساد نظامه وقال أبو حيان: وقوله تعالى ﴿ سخريا ﴾ بضم السين من التسخير بمعنى الاستخدام، لا من السخرية بمعنى الهزء، والحكمة هي أن يرتفق بعضهم ببعض، ويصلوا إلى منافعهم، ولو تولى كل واحد جميع أشغاله بنفسه ما أطاق ذلك، وضاع وهلك، وفي قوله ﴿ نحن قسمنا ﴾ تزهيد في الإكباب على طلب الدنيا، وعون على التوكل على الله، وقال قتادة: تلقى ضعيف القوة، قليل الحيلة، عيي اللسان وهو موسع عليه في الرزق، وتلقى شديد الحيلة، بسيط اللسان وهو مقتر عليه في الرزق، وقال الشافعي:

صفوة التفاسير · الصفحة ٦٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٦٢٤