" ما من أحد إلا وله منزل في الجنة ومنزل في النار، الكافر يرث المؤمن منزله في النار، والمؤمن يرث الكافر منزله في الجنة "
، وذلك قوله تعالى ﴿ وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون ﴾ ﴿ لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون ﴾ أي لكم في الجنة من أنواع الفواكه والثمار الشيء الكثير - سوى الطعام والشراب - من هذه الفواكة تأكلون تفكها وتلذذا قال المفسرون: يأكل أهل الجنة من بعض الثمار، وأما الباقي فعلى الأشجار على الدوام، لا ترى فيها شجرة تخلو عن ثمرها لحظة، فهي مزينة بالثمار أبدا، لأن كل ما يؤكل يخلف بدله وفي الحديث
" لا ينزع رجل في الجنة من ثمرها إلا نبت مثلاها مكانها "
. ولما ذكر حال السعداء الأبرار أعقبه بذكر حال الأشقياء الفجار فقال ﴿ إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون ﴾ أي إن الكافرين الراسخين في الإجرام في العذاب الشديد في جهنم دائمون فيها أبدا قال الصاوي: والمراد بالمجرمين الكفار لأنهم ذكروا في مقابلة المؤمنين ﴿ لا يفتر عنهم ﴾ أي لا يخفف عنهم العذاب لحظة ﴿ وهم فيه مبلسون ﴾ أي وهم في ذلك العذاب يائسون من كل خير ﴿ وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين ﴾ أي وما ظلمناهم بعقابنا لهم، ولكن كانوا هم الظالمين لتعريضهم أنفسهم للعذاب الخالد ﴿ ونادوا يمالك ليقض علينا ربك ﴾ أي ونادى الكفار مالكا خازن النار قائلين: ليمتنا الله حتى نستريح من العذاب قال ابن كثير: أي ليقبض أرواحنا فيريحنا مما نحن فيه قال ابن عباس: فلم يجبهم إلا بعد ألف سنة ﴿ قال إنكم ماكثون ﴾ أي أجابهم إنكم مقيمون في العذاب أبدا، لا خلاص لكم منه بموت ولا بغيره ﴿ لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون ﴾ خطاب توبيخ وتقريع أي لقد جئناكم أيها الكفار بالحق الساطع المبين، ولكنكم كنتم كارهين لدين الله مشمئزين منه لكونه مخالفا لأهوائكم وشهواتكم قال الرازي: هذا كالعلة لما ذكر والمراد نفرتهم عن محمد وعن القرآن، وشدة بغضهم لقبول الدين الحق ﴿ أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون ﴾ الكلام عن كفار قريش أي أم أحكم هؤلاء المشركون أمرا في كيد محمد صلى الله عليه وسلم فإنا محكمون أمرنا في نصرته وحمايته، وإهلاكهم وتدميرهم قال مقاتل: نزلت في تدبيرهم المكر بالنبي صلى الله عليه وسلم في دار الندوة ﴿ أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم ﴾ أي أم يظنون أنا لا نسمع ما حدثوا به أنفسهم، وما تكلموا به فيما بينهم بطريق التناجي قال في التسهيل: السر ما يحدث به الإنسان نفسه أو غيره في خفية، والنجوى ما تكلموا به بينهم ﴿ بلى ورسلنا لديهم يكتبون ﴾ أي بلى إنا نسمع سرهم وعلانيتهم، وملائكتنا الحفظة يكتبون عليهم أعمالهم، روي أنها نزلت في " الأخنس بن شريق " و " الأسود بن عبد يغوث " اجتمعا فقال الأخنس: أترى الله يسمع سرنا!! فقال الآخر: يسمع نجوانا ولا يسمع سرنا ﴿ قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين ﴾ أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين: لو فرض أن لله ولدا لكنت أنا أول من يعبد ذلك الولد، ولكنه جل وعلا منزه عن الزوجة والولد قال القرطبي: وهذا كما تقول لمن تناظره: إن ثبت ما قلت بالدليل فأنا أول من يعتقده، وهذا مبالغة في الاستبعاد، وترقيق في الكلام وقال الطبري: هو ملاطفة في الخطاب وقال البيضاوي: ولا يلزم من هذا الكلام صحة وجود الولد وعبادته له، بل المراد نفيهما على أبلغ الوجوه، وإنكاره للولد ليس للعناد والمراء، بل لو كان لكان أولى الناس بالاعتراف به، فإن النبي يكون أعلم بالله وبما يصح له وما لا يصح ﴿ سبحان رب السموت والأرض رب العرش عما يصفون ﴾ أي تنزه وتقدس الله العظيم الجليل، رب السماوات والأرض، ورب العرش العظيم، عما يصفه به الكافرون من نسبة الولد إليه ﴿ فذرهم يخوضوا ويلعبوا ﴾ أي اترك كفار مكة في جهلهم وضلالهم، يخوضوا في باطلهم ويلعبوا بدنياهم ﴿ حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون ﴾ أي إلى ذلك اليوم الرهيب الذي وعدوه - وهو يوم القيامة - فسوف يعلمون حينئذ كيف يكون حالهم ومصيرهم ومآلهم ﴿ وهو الذي في السمآء إله وفي الأرض إله ﴾ أي هو جل وعلا معبود في السماء ومعبود في الأرض، لأنه هو الإله الحق، المستحق للعبادة في السماء والأرض قال في التسهيل: أي هو الإله لأهل الأرض وأهل السماء وقال ابن كثير: أي هو إله من في السماء وإله من في الأرض، يعبده أهلهما وكلهم خاضعون له أذلاء بين يديه ﴿ وهو الحكيم العليم ﴾ أي هو الحكيم في تدبير خلقه، العليم بمصالحهم، وهذا كالدليل على وحدانيته تعالى ﴿ وتبارك الذي له ملك السموت والأرض وما بينهما ﴾ أي تمجد وتعظم الله الذي له ملك السماوات والأرض وما بينهما من المخلوقات، من الإنس والجن والملائكة، فهو الخالق والمالك والمتصرف في الكائنات بلا ممانعة ولا مدافعة ﴿ وعنده علم الساعة ﴾ أي وعنده وحده علم زمان قيام الساعة ﴿ وإليه ترجعون ﴾ أي وإليه لا إلى غيره مرجع الخلائق للجزاء، فيجازي كلا بعمله ﴿ ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة ﴾ أي ولا يملك أحد ممن يعبدونهم من دون الله أن يشفع عند الله لأحد، لأنه لا شفاعة إلا بإذنه ﴿ إلا من شهد بالحق ﴾ أي إلا لمن شهد بالحق، وآمن عن علم وبصيرة، فإنه تنفع شفاعته عند الله ﴿ وهم يعلمون ﴾ أي وهم يعلمون أن الشفاعة لا تكون إلا بإذنه قال المفسرون: والمراد ب ﴿ من شهد بالحق ﴾ عيسى وعزير والملائكة، فإنهم يشهدون بالحق والوحدانية لله، فهؤلاء تنفع شفاعتهم للمؤمنين وإن كانوا قد عبدوا من دون الله ﴿ ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ﴾ أي ولئن سألت يا محمد كفار مكة من الذي خلقهم وأوجدهم؟ ليقولن الله خلقنا، فهم يعترفون بأنه الخالق ثم يعبدون غيره ممن لا يقدر على شيء ﴿ فأنى يؤفكون ﴾ أي فكيف ينصرفون عن عبادة الرحمن إلى عبادة الأوثان؟ فهم في غاية الجهل والسفاهة وسخافة العقول ﴿ وقيله يرب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون ﴾ أي وقول محمد في شكواه لربه يا رب إن هؤلاء قوم معاندون جبارون لا يصدقون برسالتي ولا بالقرآن قال قتادة: هذا قول نبيكم صلى الله عليه وسلم يشكو قومه إلى ربه عز وجل ﴿ فاصفح عنهم وقل سلام ﴾ أي فأعرض عنهم يا محمد وسامحهم ولا تقابلهم بمثل ما يقابلونك به قال الصاوي: وهو تباعد وتبرؤ منهم، وليس في الآية مشروعية السلام على الكفار وقال قتادة: أمر بالصفح عنهم ثم أمر بقتالهم، فصار الصفح منسوخا بالسيف ﴿ فسوف يعلمون ﴾ أي فسوف يعلمون عاقبة إجرامهم وتكذيبهم، وهو وعد وتهديد للمشركين، وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم.