تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد أنزلنآ إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون

[الأنبياء: 10] ﴿ وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنآ ﴾ هذا على سبيل الفرض، وفي الكلام محذوف أي إن كنت يا محمد شاكا في أمر التوحيد فسل من سبقك من الرسل ﴿ أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون ﴾؟ أي هل هناك أحد من الرسل دعا لعبادة غير الله؟ والآية كقوله تعالى

فإن كنت في شك ممآ أنزلنآ إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك

[يونس: 94] قال أبو السعود: والمراد بالآية الاستشهاد بإجماع الأنبياء على التوحيد، والتنبيه على أنه ليس ببدع ابتدعه حتى يكذب ويعادى وقال أبو حيان: ويظهر أن الخطاب للسامع، والسؤال هنا مجاز عن النظر في أديان الأنبياء، هل جاءت عبادة الأوثان في ملة من مللهم؟ وهذا كما يساءل الشعراء الديار والأطلال، ومنه قولهم: سل الأرض من شق أنهارك، وغرس أشجارك، وجنى ثمارك؟ فإنها إن لم تجبك حوارا أجابتك اعتبارا، وهذا كله من باب المجاز.

43.46-64

المناسبة: لما طعنت قريش على الرسول صلى الله عليه وسلم في أمر النبوة، بسبب أنه فقير عديم المال والجاه، واختاروا أن يتنزل القرآن على رجل كثير المال عظيم الجاه، ذكر تعالى قصة " موسى مع فرعون " ليشير إلى أن منطق العناد والطغيان واحد، فقد سبقهم فرعون إلى التجبر بماله وسلطانه، ورفض قبول دعوة الحق بحجة أنه أكثر مالا وجاها من موسى، فردت الآيات الكريمة هذه الشبهة السقيمة بالحجة والبرهان.

اللغة: ﴿ ينكثون ﴾ نكث العهد: نقضه ﴿ مهين ﴾ حقير لا قدر له ولا مكانة ﴿ آسفونا ﴾ أغضبونا وغاظونا ﴿ سلفا ﴾ قدوة ﴿ يصدون ﴾ بكسر الصاد بمعنى يضجون ويصيحون، وبضمها بمعنى الإعراض ومنع الناس عن الإيمان قال الجوهري: صد يصد صديدا أي ضج، وقيل إنه بالضم من الصدود وهو الإعراض، وبالكسر من الضجيج، وقال الفراء: هما سواء ﴿ تمترن ﴾ الامتراء: الشك، امترى في الأمر شك فيه، والمرية: الشك.

سبب النزول: عن مجاهد قال: إن قريشا قالت إن محمدا يريد أن نعبده كما عبد النصارى عيسى ابن مريم فأنزل الله ﴿ ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون ﴾.

التفسير: ﴿ ولقد أرسلنا موسى بآياتنآ إلى فرعون وملئه ﴾ أي والله لقد أرسلنا موسى بالمعجزات الباهرة الدالة على صدقه إلى فرعون وقومه الأقباط ﴿ فقال إني رسول رب العالمين ﴾ أي فقال له موسى: إني رسول الله إليك، أرسلني لأدعوك وقومك إلى عبادة الله وحده ﴿ فلما جآءهم بآياتنآ إذا هم منها يضحكون ﴾ أي فلما جاءهم بتلك الآيات الباهرة الدالة على رسالته ضحكوا سخرية واستهزاء به قال القرطبي: إنما ضحكوا منها ليوهموا أتباعهم أن تلك الآيات سحر، وأنهم قادرون عليها، قال تعالى ﴿ وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها ﴾ أي وما نريهم آية من آيات العذاب كالطوفان، والجراد، والقمل إلا وهي في غاية الكبر والظهور، بحيث تكون أوضح من سابقتها قال الصاوي: والمعنى إلا وهي بالغة الغاية في الإعجاز، بحيث يظن الناظر إليها أنها أكبر من غيرها ﴿ وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون ﴾ أي عاقبناهم بأنواع العذاب الشديد، لعلهم يرجعون عما هم عليه من الكفر والتكذيب ﴿ وقالوا يأيه الساحر ادع لنا ربك ﴾ أي وقالوا لما عاينوا العذاب يا أيها الساحر ادع لنا ربك ليكشف عنا هذا البلاء والعذاب ﴿ بما عهد عندك ﴾ أي بالعهد الذي أعطاك إياه من استجابة دعائك ﴿ إننا لمهتدون ﴾ أي لنؤمنن بك إن كشف عنا العذاب بدعائك قال المفسرون: ليس قولهم ﴿ يأيه الساحر ﴾ على سبيل الانتقاص، وإنما هو تعظيم في زعمهم، لأن السحر كان علم زمانهم، ولم يكن مذموما، فنادوه بذلك على سبيل التعظيم قال ابن عباس: معناه يا أيها العالم، وكان الساحر فيهم عظيما يوقرونه ﴿ فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون ﴾ أي فلما رفعنا عنهم العذاب بدعوة موسى، إذا هم ينقضون العهد ويصرون على الكفر والعصيان ﴿ ونادى فرعون في قومه ﴾ أي نادى فرعون رؤساء القبط وعظماءهم، لما رأى الآيات الباهرة من موسى وخاف أن يؤمنوا ﴿ قال يقوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي ﴾؟ أي قال مفتخرا متبجحا: أليست بلاد مصر الواسعة الشاسعة ملكا لي؟ وهذه الخلجان والأنهار المتفرعة من نهر النيل تجري من تحتي قصوري؟ قال القرطبي: ومعظمها أربعة: نهر الملك، ونهر طولون، ونهر دمياط، ونهر تينس وكلها من النيل وقال قتادة: كانت جنانها وأنهارها تجري من تحت قصره ﴿ أفلا تبصرون ﴾؟ أي أفلا تبصرون عظمتي وسعة ملكي، وقلة موسى وذلته؟ ﴿ أم أنآ خير من هذا الذي هو مهين ﴾ أي بل أنا خير من هذا الضعيف الحقير الذي لا عز له ولا جاه ولا سلطان، فهو يمتهن نفسه في حاجاته لحقارته وضعفه؟ يعني بذلك موسى عليه السلام ﴿ ولا يكاد يبين ﴾ أي لا يكاد يفصح عن كلامه، ويوضح مقصوده، فكيف يصلح للرسالة؟ قال أبو السعود: قال فرعون ذلك افتراء على موسى، وتنقيصا له عليه السلام في أعين الناس، باعتبار ما كان في لسانه من عقدة، ولكن الله أذهبها عنه بدعائه

صفوة التفاسير · الصفحة ٦٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٦٢٦