تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن الدليل على القضاء وكونه

بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق

﴿ ورحمت ربك خير مما يجمعون ﴾ أي وإنعامه تعالى عليك بالنبوة خير مما يجمع الناس من حطام الدنيا الفاني، ثم بين تعالى حقارة الدنيا ودناءة قدرها عند الله فقال ﴿ ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ﴾ أي ولولا أن يرغب الناس في الكفر إذا رأوا الكافر في سعة من الرزق، ويصيروا أمة واحدة في الكفر، لخصصنا هذه الدنيا بالكفار، وجعلنا لهم القصور الشاهقة المزخرفة بأنواع الزينة والنقوش، سقفها من الفضة الخالصة ﴿ ومعارج عليها يظهرون ﴾ أي وجعلنا لهم مصاعد وسلالم من فضة عليها يرتقون ويصعدون ﴿ ولبيوتهم أبوابا وسررا ﴾ أي ولبيوتهم أبوابا من فضة وسررا من فضة، زيادة في الرفاهية والنعيم ﴿ عليها يتكئون ﴾ أي على تلك الأسرة الفضية يتكئون ويجلسون ﴿ وزخرفا ﴾ أي وجعلنا لهم زينة من ستور ونمارق ونقوش وقال ابن عباس: ﴿ زخرفا ﴾ ذهبا أي جعلنا لهم سقفا وأبوابا وسررا من فضة وذهب ﴿ وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا ﴾ أي وما كل ذلك النعيم العاجل الذي نعطيه للكفار، إلا شيء يتمتع به في الحياة الدنيا الزائلة الحقيرة ﴿ والآخرة عند ربك للمتقين ﴾ أي والجنة وما فيها من أنواع الملاذ والنعم التي يقصر عنها البيان، هي خاصة بالمتقين لا يشاركهم فيها أحد قال المفسرون: والآيات سيقت لبيان حقارة الدنيا وقلة شأنها، وأنها من الهوان بحيث لولا الفتنة لخص بها الكافرين، فجعل بيوت الكفرة ودرجها وسقوفها من ذهب وفضة، وأعطى الكافر كل ذلك النعيم في الدنيا لعدم حظه في الآخرة، ولكنه تعالى رحيم بالعباد فلذلك أغنى بعض الكفار وأفقر بعضهم، وأغنى بعض المؤمنين وأفقر بعضهم وفي الحديث

" لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها جرعة ماء "

قال الزمخشري: فإن قلت: فحين لم يوسع على الكافرين للفتنة التي كان يؤدي إليها التوسعة عليهم، من إطباق الناس على الكفر لحبهم الدنيا وتهالكهم عليها، فهلا وسع على المسلمين ليطبق الناس على الإسلام؟ قلت التوسعة عليهم مفسدة أيضا لما تؤدي إليها من دخول الناس في الإسلام لأجل الدنيا وذلك من دين المنافقين، فكانت الحكمة فيما دبر، حيث جعل الفريقين أغنياء وفقراء، وغلب الفقر على الغنى ﴿ ومن يعش عن ذكر ا ;لرحمن ﴾ أي ومن يعرض ويتعام ويتغافل عن القرآن وعبادة الرحمن ﴿ نقيض له شيطانا ﴾ أي نهيء ونيسر له شيطانا لا ينفك عن الوسوسة له والإغواء كقوله تعالى

ألم تر أنآ أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا

[مريم: 83] ﴿ فهو له قرين ﴾ أي فهو له ملازم ومصاحب له لا يفارقه ﴿ وإنهم ليصدونهم عن السبيل ﴾ أي وإن الشياطين ليصدون هؤلاء الكفار الضالين عن طريق الهدى ﴿ ويحسبون أنهم مهتدون ﴾ أي ويحسب الكفار أنهم على نور وبصيرة وهداية من أمرهم ﴿ حتى إذا جآءنا ﴾ أي حتى إذا جاء الكافر مع قرينه وقد ربطا بسلسلة واحدة ﴿ قال يليت بيني وبينك بعد المشرقين ﴾ أي قال الكافر لقرينه: يا ليت بيني وبينك مثل بعد ما بين المشرق والمغرب قال الطبري: وهذا من باب التغليب كما يقال: القمران، والعمران، والأبوان، فغلب ههنا المشرق على المغرب ﴿ فبئس القرين ﴾ أي فبئس الصاحب أنت، لأنك كنت سببا في شقائي بتزينك الباطل لي قال أبو سعيد الخدري: إذا بعث الكافر زوج بقرينه من الشياطين، فلا يفارقه حتى يصير به إلى النار ﴿ ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون ﴾ أي ولن ينفعكم ويفيدكم اشتراككم في العذاب، ولن يخفف ذلك عنكم شيئا بسبب ظلمكم، فإن لكل واحد نصيبه الأوفر منه قال في التسهيل: المراد أنه لا ينفعهم اشتراكهم في العذاب، ولا يجدون راحة التأسي التي يجدها المكروب في الدنيا إذا رأى غيره قد أصابه مثل ما أصابه لأن المصيبة إذا عمت هانت، فدفع تعالى ذلك التوهم بأن اشتراكهم في العذاب، لا يخفف عنهم البلاء ﴿ أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين ﴾ أي فأنت يا محمد تقدر أن تسمع هؤلاء الكفار الذين هم كالصم والعمي، ومن كان في ضلال واضح؟ ليس لك ذلك فلا يضق صدرك إن كفروا قال المفسرون: والآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم فقد كان يجتهد في دعائهم إلى الإيمان، ولا يزدادون إلا تعاميا عن الحق وطغيانا وضلالا ﴿ فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون ﴾ أي إن عجلنا وفاتك قبل الانتقام منهم، فإنا سننتقم منهم بعد وفاتك ﴿ أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون ﴾ أي أو نرينك يا محمد العذاب الذي وعدناهم به في حياتك فإنا قادرون عليهم فهم في قبضتنا لا يفوتوننا قال ابن عباس: قد أراه الله ذلك يوم بدر وقال ابن كثير: المعنى لا بد أن ننتقم منهم ونعاقبهم في حياتك أو بعد وفاتك، ولم يقبض الله تعالى رسوله حتى أقر عينه من أعدائه، وحكمه في نواصيهم ﴿ فاستمسك بالذي أوحي إليك ﴾ أي فتمسك يا محمد بالقرآن الذي أوحيناه لك ﴿ إنك على صراط مستقيم ﴾ أي فإنك على الحق الواضح والطريق المستقيم، الموصل إلى جنات النعيم ﴿ وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون ﴾ أي وإن هذا القرآن لشرف عظيم لك ولقومك من قريش، إذ أنزل بلغتهم وعلى رجل منهم وسوف تسألون عن شكر هذه النعمة قال في التسهيل: والذكر هنا بمعنى الشرف، وقوم النبي صلى الله عليه وسلم هم قريش وسائر العرب، فإنهم نالوا بالإسلام شرف الدنيا والآخرة، ويكفيك أن فتحوا مشارق الدنيا ومغاربها وصارت فيهم الخلافة والملك، وهذا القرآن شرف لكل من تبعه، وهذه الآية نظير قوله تعالى

صفوة التفاسير · الصفحة ٦٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٦٢٥