تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

. ولما ذكر تعالى اعتراف المشركين بأن خالق السماوات والأرض هو رب العالمين، ذكر بعده ما يدل على سفههم وجهلهم في عبادة غير الله فقال ﴿ وجعلوا له من عباده جزءا ﴾ أي جعل المشركون لله ولدا حيث قالوا: الملائكة بنات الله ﴿ إن الإنسان لكفور مبين ﴾ أي إن القائل لهذا لمبالغ في الكفر، عظيم الجحود والطغيان قال البيضاوي: أي ظاهر الكفران لأن نسبة الولد إليه تعالى من فرط الجهل به والتحقير لشأنه ﴿ أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين ﴾ إنكار وتعجب من حالهم أي هل اتخذ تعالى لنفسه البنات، وخصكم واختار لكم البنين؟ قال ابن كثير: وهذا إنكار عليهم غاية الإنكار، ثم ذكر تعالى تمام الإنكار فقال ﴿ وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ﴾ أي وإذا بشر أحد المشركين بالأنثى التي جعلها مثلا لله بنسبة البنات له ﴿ ظل وجهه مسودا وهو كظيم ﴾ أي صار وجهه كأنه أسود من الكآبة والحزن، وهو ممتلىء غيظا وغما من سوء ما بشر به قال الإمام الفخر: والمقصود من الآية التنبيه على قلة عقولهم وسخافة تفكيرهم، فإن الذي بلغ حاله في النقص إلى هذا الحد كيف يجوز للعاقل إثباته لله تعالى؟ وقد روي عن بعض العرب أن امرأته وضعت أنثى فهجر البيت الذي فيه المرأة ﴿ أومن ينشأ في الحلية ﴾ أي أيجعلون لله من يربى في الزينة وينشأ ويكبر عليها وهن الإناث؟ ﴿ وهو في الخصام غير مبين ﴾ أي ومن هو في الجدال غير مظهر لحجته لضعف رأيه؟ أومن يكون هكذا ينسب إلى جناب الله العظيم؟ قال في التسهيل: والمقصد الرد على الذين قالوا الملائكة بنات الله، كأنه قال: أجعلتم لله من ينشأ في الحلية؟ يعني يكبر وينبت في استعمالها، وذلك صفة النقص، ثم أتبعها بصفة نقص أخرى فقال ﴿ وهو في الخصام غير مبين ﴾ يعني أن الأنثى إذا خاصمت أو تكلمت لم تقدر أن تبين حجتها لنقص عقلها، وقلما تجد امرأة إلا تفسد الكلام، وتخلط المعاني، فكيف ينسب لله من يتصف بهذه النقائص؟ وقال ابن كثير: المرأة ناقصة في الصورة والمعنى، فيكمل نقص ظاهرها وصورتها بلبس الحلي ليجبر ما فيها من نقص، كما قال بعض الشعراء:

وما الحلي إلا زينة من نقيصة

يتمم من حسن إذا الحسن قصرا

وأما نقص معناها فإنها ضعيفة عاجزة عن الانتصار، كما قال بعض العرب وقد بشر ببنت " ما هي بنعم الولد، نصرها بكاء، وبرها سرقة " ﴿ وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا ﴾ كفر آخر تضمنه قولهم الشنيع أي واعتقد كفار العرب بأن الملائكة الذين هم أكمل العباد وأكرمهم على الله إناث وحكموا عليهم بذلك ﴿ أشهدوا خلقهم ﴾ أي أحضروا وقت خلق الله لهم حتى عرفوا أنهم إناث؟ وهذا تجهيل وتهكم بهم ﴿ ستكتب شهادتهم ويسألون ﴾ أي سنأمر الملائكة بكتابة شهادتهم الكاذبة في ديوان أعمالهم ويسألون عنها يوم القيامة، وهو وعيد شديد مع التهديد قال المفسرون: حكى تعالى عن كفار العرب ثلاثة أقوال شنيعة: الأول: أنهم نسبوا إلى الله الولد، الثاني: أنهم نسبوا إليه البنات دون البنين، الثالث: أنهم حكموا على الملائكة المكرمين بالأنوثة بلا دليل ولا برهان، فكذبهم القرآن الكريم في تلك الأقوال، ثم زادوا ضلالا وبهتانا فزعموا أن ذلك برضى الله ﴿ وقالوا لو شآء الرحمن ما عبدناهم ﴾ أي قالوا على سبيل السخرية والاستهزاء: لو شاء الله ما عبدنا هؤلاء الملائكة ولا الأصنام، ولما كانت عبادتنا واقعة بمشيئته فهو راض بها قال القرطبي: وهذا منهم كلمة حق أريد بها باطل، فكل شيء بإرادة الله، والمشيئة غير الرضى، ولا يصح الاحتجاج بالمشيئة، فإنهم لو عبدوا الله بدل الأصنام لعلمنا أن الله أراد منهم ذلك، وقد كذبهم الله بقوله ﴿ ما لهم بذلك من علم ﴾ أي ما لهم بذلك القول حجة ولا برهان ﴿ إن هم إلا يخرصون ﴾ أي ما هم إلا يكذبون ويتقولون على الله كذبا وزورا ﴿ أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون ﴾ رد آخر عليهم أي أم أنزلنا على هؤلاء المشركين كتابا من قبل القرآن فهم بذلك الكتاب متمسكون يعملون بتوجيهاته؟ قال الإمام الفخر: والمعنى: هل وجدوا ذلك الباطل في كتاب منزل قبل القرآن حتى يعولوا عليه ويتمسكوا به ﴿ بل قالوا إنا وجدنآ آبآءنا على أمة ﴾ بل للإضراب وهو الانتقال من كلام إلى آخر أي لم يأتوا بحجة عقلية أو نقلية على ما زعموا بل اعترفوا بأنه لا مستند لهم سوى تقليد آبائهم الجهلة قال أبو السعود: والأمة: الدين والطريقة سميت أمة لأنها تؤم وتقصد ﴿ وإنا على آثارهم مهتدون ﴾ أي ونحن ماشون على طريقتهم مهتدون بآثارهم ﴿ وكذلك مآ أرسلنا من قبلك في قرية من نذير ﴾ أي وكما تبع هؤلاء الكفار آباءهم بغير حجة ولا برهان كذلك فعل من قبلهم من المكذبين، فما بعثنا قبلك رسولا في أمة من الأمم ﴿ إلا قال مترفوهآ إنا وجدنآ آبآءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ﴾ أي إلا قال المتنعمون فيها الذين أبطرتهم النعمة، وأعمتهم الشهوات والملاهي عن تحمل المشاق في طلب الحق: إنا وجدنا أسلافنا على ملة ودين، وإنا مقتدون بهم في طريقتهم قال البيضاوي: والآية تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ودلالة على أن التقليد في نحو هذا ضلال قديم، وأسلافهم لم يكن سند منظور يعتد به، وإنما خصص المترفين بالذكر للإشعار بأن التنعم وحب البطالة صرفهم عن النظر إلى التقليد الأعمى، وذكر هنا ﴿ مقتدون ﴾ وهناك ﴿ مهتدون ﴾ تفننا لأن معناهما واحد ﴿ قل أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آبآءكم ﴾؟ أي قال كل نبي لقومه حين أنذرهم عذاب الله: أتقتدون بآبائكم ولو جئتكم بدين أهدى وأرشد مما كانوا عليه؟ ﴿ قالوا إنا بمآ أرسلتم به كافرون ﴾ أي قالوا إنا كافرون بكل ما أرسلتم به من التوحيد والإيمان والبعث والنشور ﴿ فانتقمنا منهم فانظر كيف كان عاقبة المكذبين ﴾ أي فانتقمنا من الأمم المكذبة بأنواع العذاب فانظر كيف صار حالهم ومآلهم!!

صفوة التفاسير · الصفحة ٦٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٦٢٣