" لا إله إلا الله وحده، نصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده "
﴿ وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم ﴾ أي وأنزل اليهود وهم بنو قريظة الذين أعانوا المشركين ونقضوا عهدهم وانقلبوا على النبي وأصحابه، أنزلهم من حصونهم وقلاعهم التي كانوا يتحصنون فيها ﴿ وقذف في قلوبهم الرعب ﴾ أي ألقى الله في قلوبهم الخوف الشديد حتى فتحوا الحصون واستسلموا قال ابن جزي: نزلت الآية في يهود " بني قريظة " وذلك أنهم كانوا معاهدين لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنقضوا عهده وصاروا مع قريش، فلما انهزم المشركون وانصرفت قريش عن المدينة حاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم بني قريظة حتى نزلوا على حكم " سعد بن معاذ " فحكم بأن يقتل رجالهم، ويسبى نساءهم وذريتهم فذلك قوله تعالى: ﴿ فريقا تقتلون ﴾ يعني الرجال وقتل منهم يومئذ ما بين الثمانمائة والتسعمائة ﴿ وتأسرون فريقا ﴾ يعني النساء والذرية ﴿ وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم ﴾ أي وأورثكم يا معشر المؤمنين أرض بني قريظة وعقارهم وخيلهم ومنازلهم وأموالهم التي تركوها ﴿ وأرضا لم تطئوها ﴾ أي وأرضا أخرى لم تطؤوها بعد بأقدامكم، وهي خيبر لأنها أخذت بعد قريظة، وكل أرض فتحها المسلمون بعد ذلك ﴿ وكان الله على كل شيء قديرا ﴾ أي قادرا على كل ما أراد، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، قال أبو حيان: ختم تعالى هذه الآية ببيان قدرته على كل شيء، وكأن في ذلك إشارة إلى فتحه على المسلمين الفتوح الكثيرة، فكما ملكهم هذه الأراضي فكذلك هو قادر على أن يملكهم غيرها من البلاد ﴿ يأيها النبي قل لأزواجك ﴾ أي قل لزوجاتك اللاتي تأذيت منهن بسبب سؤالهن إياك الزيادة في النفقة ﴿ إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها ﴾ أي إن رغبتن في سعة الدنيا ونعيمها، وبهرجها الزائل ﴿ فتعالين أمتعكن ﴾ أي فتعالين حتى أدفع لكن متعة الطلاق ﴿ وأسرحكن سراحا جميلا ﴾ أي وأطلقكن طلاقا من غير ضرار ﴿ وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة ﴾ أي وإن كنتن ترغبن في رضوان الله ورسوله، والفوز بالنعيم الوافر في الدار الآخرة ﴿ فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما ﴾ جواب الشرط أي فإن الله تعالى قد هيأ للمحسنات منكن بمقابلة إحسانهن ثوابا كبيرا لا يوصف، وهو الجنة التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، قال في البحر: لما نصر الله نبيه، وفرق عنه الأحزاب، وفتح عليه قريظة والنظير، ظن أزواجه أنه اختص بنفائس اليهود وذخائرهم، فقعدن حوله وقلن يا رسول الله: بنات كسرى وقيصر في الحلي والحلل، ونحن على ما تراه من الفاقة والضيق!! وآلمن قلبه بمطالبتهن له بتوسعة الحال، وأن يعاملهن بما يعامل به الملوك والأكابر أزواجهم، فأمره الله أن يتلو عليهن ما نزل في أمرهن، وأزواجه إذ ذاك تسع زوجات ﴿ ينسآء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة ﴾ أي من تفعل منكن كبيرة من الكبائر، أو ذنبا تجاوز الحد في القبح، قال ابن عباس: يعني النشوز وسوء الخلق ﴿ يضاعف لها العذاب ضعفين ﴾ أي يكون جزاؤها ضعف جزاء غيرها من النساء، لأن زيادة قبح المعصية تتبع زيادة الفضل والمرتبة ﴿ وكان ذلك على الله يسيرا ﴾ أي كان ذلك العقاب سهلا يسيرا على الله، لا يمنعه منه كونهن أزواج ونساء النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الآية تلوين للخطاب، فبعد أن كانت المخاطبة لهن على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم وجه الخطاب إليهن هنا مباشرة لإظهار الاعتناء بأمرهن ونصحهن، قال الصاوي: وهذه الآيات خطاب من الله لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم إظهارا لفضلهن، وعظم قدرهن عند الله تعالى، لأن العتاب والتشديد في الخطاب مشعر برفعة رتبتهن، لشدة قربهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأنهن أزواجه في الجنة، فبقدر القرب من رسول الله يكون القرب من الله ﴿ ومن يقنت منكن لله ورسوله ﴾ أي ومن تواظب منكن على طاعة الله وطاعة رسوله ﴿ وتعمل صالحا ﴾ أي وتتقرب إلى الله بفعل الخير وعمل الصالحات ﴿ نؤتهآ أجرها مرتين ﴾ أي نعطها الثواب مضاعفا ونثيبها مرتين: مرة على الطاعة والتقوى، وأخرى على طلبهن رضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقناعة وحسن المعاشرة ﴿ وأعتدنا لها رزقا كريما ﴾ أي وهيأنا لها في الجنة زيادة على ما لها من أجر رزقا حسنا مرضيا لا ينقطع، ثم أظهر فضيلتهن على النساء فقال: ﴿ ينسآء النبي لستن كأحد من النسآء ﴾ أي أنتن تختلفن عن سائر النساء من جهة أنكن أفضل وأشرف من غيركن، لكونكن زوجات خاتم الرسل، وأفضل الخلق محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم، فليست الواحدة منكن كالواحدة من آحاد النساء ﴿ إن اتقيتن ﴾ شرط حذف جوابه لدلالة ما قبله أي إن اتقيتن الله فأنتن بأعلى المراتب قال القرطبي: بين تعالى أن الفضيلة إنما تتم لهن بشرط التقوى، لما منحهن الله من صحبة رسوله سيد الأولين والآخرين، وقال ابن عباس: يريد في هذه الآية: ليس قدركن عندي مثل قدر غيركن من النساء الصالحات، أنتن أكرم علي وثوابكن أعظم إن اتقيتن، فشرط عليهن التقوى بيانا أن فضيلتهن إنما تكون بالتقوى، لا بنفس اتصالهن برسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ فلا تخضعن بالقول ﴾ أي فلا ترققن الكلام عند مخاطبة الرجال ﴿ فيطمع الذي في قلبه مرض ﴾ أي فيطمع من كان في قلبه فجور وريبة، وحب لمحادثة النساء ﴿ وقلن قولا معروفا ﴾ أي وقلن قولا حسنا عفيفا لا ريبة فيه، ولا لين ولا تكسر عند مخاطبتكن للرجال قال ابن كثير: ومعنى هذا أنها تخاطب الأجانب بكلام ليس فيه ترخيم، ولا تخاطب الأجنبي كما تخاطب زوجها ﴿ وقرن في بيوتكن ﴾ أي الزمن بيوتكن ولا تخرجن لغير حاجة، ولا تفعلن كما تفعل الغافلات، المتسكعات في الطرقات لغير ضرورة ﴿ ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ﴾ أي لا تظهرن زينتكن ومحاسنكن للأجانب مثل ما كان نساء الجاهلية يفعلن، حيث كانت تخرج المرأة إلى الأسواق مظهرة لمحاسنها، كاشفة ما لا يليق كشفه من بدنها قال قتادة: كانت لهن مشية فيها تكسر وتغنج فنهى الله تعالى عن ذلك ﴿ وأقمن الصلاة وآتين الزكاة ﴾ أي حافظن على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، قال ابن كثير: نهاهن أولا عن الشر، ثم أمرهن بالخير، من إقامة الصلاة وهي عبادة الله وحده، وإيتاء الزكاة وهي الإحسان إلى المخلوقين ﴿ وأطعن الله ورسوله ﴾ أي أطعن الله ورسوله في جميع الأوامر والنواهي لتنلن مرتبة المتقيات ﴿ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ﴾ أي إنما يريد الله أن يخلصكن من دنس المعاصي، ويطهركن من الآثام، التي يتدنس بها عرض الإنسان كما يتلوث بدنه بالنجاسات ﴿ أهل البيت ﴾ أي يا أهل بيت النبوة ﴿ ويطهركم تطهيرا ﴾ أي ويطهركم من أوضار الذنوب والمعاصي تطهيرا بليغا ﴿ واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة ﴾ أي وأقرأن آيات القرآن، وسنة النبي عليه الصلاة والسلام، فإن فيهما الفلاح والنجاح، قال الزمخشري: ذكرهن أن بيوتهن مهابط الوحي، وأمرهن ألا ينسين ما يتلى فيها من الكتاب الجامع بين أمرين: آيات بينات تدل على صدق النبوة، وحكمة وعلوم وشرائع سماوية ﴿ إن الله كان لطيفا خبيرا ﴾ أي عالما بما يصلح لأمر العباد، خبيرا بمصالحهم ولذلك شرع للناس ما يسعدهم في دنياهم وآخرتهم، ثم أخبر تعالى أن المرأة والرجل في الجزاء والثواب سواء فقال: ﴿ إن المسلمين والمسلمات ﴾ هم المتمسكون بأوامر الإسلام المتخلقون بأخلاقه رجالا ونساء ﴿ والمؤمنين والمؤمنات ﴾ أي المصدقين بالله وآياته، وما أنزل على رسله وأنبيائه ﴿ والقانتين والقانتات ﴾ أي العابدين الطائعين، المداومين على الطاعة ﴿ والصادقين والصادقات ﴾ أي الصادقين في إيمانهم، ونياتهم، وأقوالهم، وأعمالهم ﴿ والصابرين والصابرات ﴾ أي الصابرين على الطاعات وعن الشهوات في المكره والمنشط ﴿ والخاشعين والخاشعات ﴾ أي الخاضعين الخائفين من الله جل وعلا، المتواضعين له بقلوبهم وجوارحهم ﴿ والمتصدقين والمتصدقات ﴾ أي المتصدقين بأموالهم على الفقراء، بالإحسان وأداء الزكوات ﴿ والصائمين والصائمات ﴾ أي الصائمين لوجه الله شهر رمضان وغيره من الأيام، فالصوم زكاة البدن يزكيه ويطهره ﴿ والحافظين فروجهم والحافظات ﴾ أي عن المحارم والآثام، وعما لا يحل من الزنى وكشف العورات ﴿ والذاكرين الله كثيرا والذاكرات ﴾ أي المديمين ذكر الله بألسنتهم وقلوبهم في كل الأوقات والأمكنة ﴿ أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما ﴾ أي أعد لهؤلاء المتقين الأبرار، المتصفين بالصفات الجليلة أعظم الأجر والثواب وهو الجنة، مع تكفير الذنوب بسبب ما فعلوه من الأعمال الحسنة.