تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

33.21-35

المناسبة: لما ذكر تعالى غزوة الأحزاب، وموقف المنافقين المذبذبين منها، بالقعود عن الجهاد، وتثبيط العزائم، أمر المؤمنين في هذه الآيات بالاقتداء بالرسول الكريم في صبره وثباته، وتضحيته وجهاده، ثم جاء الحديث عن زوجات رسول الله الطاهرات، وأمرهن بالاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في زهده، وعدم التطلع إلى زهرة الدنيا لأنهن قدوة لسائر نساء المؤمنين.

اللغة: ﴿ أسوة ﴾ الأسوة: القدوة وفيها لغتان كسر الهمزة وضمها يقال: ائتسى فلان بفلان أي اقتدى به. ﴿ نحبه ﴾ النحب: النذر والعهد يقال: نحب ينحب من باب قتل نذر، ومن باب ضرب بكى، قال لبيد:

ألا تسألان المرء ماذا يحاول

أنحب فيقضى أم ضلال وباطل

ويقال: قضى نحبه إذا مات، وعبر به عن الموت لأن كل حي لا بد أن يموت، فكأنه نذر لازم في رقبته فإذا مات فقد قضى نحبه أي نذره. ﴿ صياصيهم ﴾ حصونهم جمع صيصية وهو ما يتحصن به، قال الشاعر:

فأصبحت الثيران صرعى

وأصبحت نساء تميم يبتدرن الصياصيا

﴿ أمتعكن ﴾ متعة الطلاق، وأصل المتاع ما يتبلغ به من الزاد، ومنه متعة المطلقة لأنها تنتفع وتتمتع به. ﴿ وأسرحكن ﴾ أطلقكن، وأصل التسريح في اللغة: الإرسال والإطلاق. ﴿ تبرجن ﴾ تبرجت المرأة: أظهرت زينتها ومحاسنها للأجانب، وأصله من الظهور ومنه سمي البرج لسعته وظهوره. ﴿ وقرن ﴾ إلزمن بيوتكن من قولهم: قررت بالمكان أقر به إذا بقيت فيه ولزمته، والقرار: مصدر، وأصل " قرن " اقررن حذفت الراء وألقيت فتحتها على ما قبلها، واستغني عن ألف الوصل لتحرك القاف. ﴿ الرجس ﴾ في اللغة: القذر والنجاسة، وعبر به هنا عن الآثام لأن عرض المقترف للقبائح يتلوث بها ويتدنس، كما يتلوث بدنه بالنجاسات.

سبب النزول: أ - أخرج ابن جرير الطبري عن أنس بن مالك قال: غاب عمي " أنس بن النضر " عن قتال يوم بدر، فقال: غبت عن أول قتال مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لئن أشهدني الله قتالا ليرين الله ما أصنع؟ فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون انهزموا فقال: اللهم إني أبرأ إليك مما فعل هؤلاء يعني المشركين وأعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني المسلمين - ثم مشى بسيفه فلقيه " سعد بن معاذ " فقال: أي سعد والله إني لأجد ريح الجنة دون أحد! ثم قاتل حتى قتل، فقال سعد يا رسول الله: ما استطعت أن أصنع ما صنع، قال أنس بن مالك: فوجدناه بين القتلى وبه بضع وثمانون جراحة بين ضربة بسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، فما عرفناه حتى جاءت أخته فعرفته ببنانه - رءوس الأصابع قال أنس: فكنا نتحدث أن هذه الآية { من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر.

. } نزلت فيه وفي أصحابه.

ب - وروى الإمام أحمد عن جابر رضي الله عنه قال:

" أقبل أبو بكر رضي الله عنه يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس ببابه جلوس - فلم يؤذن له، ثم أقبل عمر رضي الله عنه فاستأذن فلم يؤذن له، ثم أذن لأبي بكر وعمر فدخلا والنبي صلى الله عليه وسلم جالس وحوله نساؤه وهو ساكت، فقال عمر: لأكلمن النبي صلى الله عليه وسلم لعله يضحك! فقال يا رسول الله: لو رأيت ابنة زيد امرأة عمر سألتني النفقة آنفا فوجأت عنقها، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، وقال: " هن حولي يسألنني النفقة "! فقام أبو بكر إلى عائشة ليضربها، وقام عمر إلى حفصه كلاهما يقولان: تسألان رسول الله ما ليس عنده؟ فنهاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلن: والله لا نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذا المجلس ما ليس عنده، وأنزل الله آية الخيار ﴿ يأيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا ﴾ فبدأ بعائشة رضي الله عنها فقال لها: إني أذكر لك أمرا ما أحب أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك، قالت: وما هو يا رسول الله؟ فتلا عليها الآية فقالت: أفيك أستأمر أبوي؟ بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة، وأسألك ألا تذكر لامرأة من نسائك ما اخترت، فقال: إن الله لم يبعثني معنفا ولكن بعثني معلما وميسرا، لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها ".

صفوة التفاسير · الصفحة ٥٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٥٢٧