33.36-52
المناسبة: لما ذكر تعالى صفات المؤمنين وما نالوه من الدرجات الرفيعة، أعقبها ببيان أن طاعة الرسول من طاعة الله، وأمر الرسول من أمر الله، ثم ذكرهم تعالى بالنعمة العظمى وهي بعثة السراج المنير، المبعوث رحمة للعالمين صلى الله عليه وسلم.
اللغة: ﴿ الخيرة ﴾ مصدر بمعنى الاختيار من تخير على غير قياس مثل الطيرة من تطير ﴿ مبديه ﴾ أبدى الشيء: أظهره ﴿ وطرا ﴾ الوطر: الحاجة التي هي في النفس قال الزجاج: الوطر الحاجة التي لك فيها همة فإذا بلغها الإنسان يقال: قضى وطره، وقال المبرد: الوطر: الشهوة يقال: ما قضيت من لقائك وطرا أي ما استمتعت بك كما تشتهي نفسي وأنشد:
وكيف ثوابي بالمدينة بعدما
قضى وطرا منها جميل بن معمر
﴿ حرج ﴾ ضيق وإثم ﴿ خلوا ﴾ مضو وذهبوا ﴿ قدرا مقدورا ﴾ قضاء مقضيا في الأزل ﴿ بكرة ﴾ البكرة: هي أول النهار ﴿ أصيلا ﴾ الأصيل: آخر النهار ﴿ ترجي ﴾ تؤخر يقال أرجيت الأمر وأرجأته إذا أخرته ﴿ تؤوي ﴾ تضم ومنه
آوى إليه أخاه
[يوسف: 69].
سبب النزول: عن ابن عباس قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش لمولاه " زيد بن حارثة " فاستنكفت منه وكرهت وأبت فنزلت الآية ﴿ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم.. ﴾ الآية فأذعنت زينب حينئذ وتزوجته.. وفي رواية فامتنعت وامتنع أخوها عبد الله لنسبها من قريش فلما نزلت الآية جاء أخوها فقال يا رسول الله مرني بما شئت قال: فزوجها من زيد، فرضي وزوجها.
التفسير: ﴿ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة ﴾ أي لا ينبغي ولا يصح ولا يليق بأي واحد من المؤمنين والمؤمنات ﴿ إذا قضى الله ورسوله أمرا ﴾ أي إذا أمر الله عز وجل وأمر رسوله بشيء من الأشياء قال الصاوي: ذكر اسم الله للتعظيم وللإشارة إلى أن قضاء رسول الله هو قضاء الله لكونه لا ينطق عن الهوى ﴿ أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ﴾ أي أن يكون لهم رأي أو اختيار، بل عليهم الانقياد والتسليم، قال ابن كثير: وهذه الآية عامة في جميع الأمور، وذلك أنه إذا حكم الله ورسوله بشيء فليس لأحد مخالفته، ولا اختيار لأحد ولا رأي ولا قول، ولهذا شدد النكير فقال: ﴿ ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا ﴾ أي ومن يخالف أمر الله وأمر رسوله فقد حاد عن الطريق السوي، وأخطأ طريق الصواب، وضل ضلالا بينا واضحا ﴿ وإذ تقول للذي أنعم الله عليه ﴾ أي اذكر أيها الرسول وقت قولك للذي أنعم الله عليه بالهداية للإسلام ﴿ وأنعمت عليه ﴾ بالتحرير من العبودية والإعتاق، قال المفسرون: هو " زيد بن حارثة " كان من سبي الجاهلية اشترته " خديجة " ووهبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم فكان مملوكا عنده ثم أعتقه وتبناه، وزوجه ابنة عمته " زينب بنت جحش " رضي الله عنها ﴿ أمسك عليك زوجك واتق الله ﴾ أي أمسك زوجتك زينب في عصمتك ولا تطلقها، واتق الله في أمرها ﴿ وتخفي في نفسك ما الله مبديه ﴾ أي وتضمر يا محمد في نفسك ما سيظهره الله وهو إرادة الزواج بها قال في التسهيل: الذي أخفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر جائز مباح لا إثم فيه ولا عتب، ولكنه خاف أن يقول الناس تزوج امرأة ابنه إذ كان قد تبناه، فأخفاه حياء وحشمة وصيانة لعرضه من ألسنتهم، فالذي أخفاه صلى الله عليه وسلم هو إرادة تزوجها ليبطل حكم التبني فأبدى الله ذلك بأن قضى له بتزوجها ﴿ وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ﴾ أي تهاب أن يقول الناس تزوج محمد حليلة ابنه، والله أحق أن تخشاه وحده، وأن تجهر بما أوحاه إليك من أنك ستتزوج بها بعد أن يطلقها زيد، قال ابن عباس: خشي أن يقول المنافقون: تزوج محمد امرأة ابنه ﴿ فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها ﴾ أي فلما قضى زيد حاجته من نكاحها وطلقها زوجناك إياها يا محمد، وهذا نص قاطع صريح على أن الذي أخفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم هو إرادة الزواج بها بعد تطليق زيد لها تنفيذا لأمر الوحي، لا حبه لها كما زعم الأفاكون، ومعنى ﴿ زوجناكها ﴾ جعلناها زوجة لك، قال المفسرون: إن الذي تولى تزويجها هو الله جل وعلا، فلما انقضت عدتها دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا إذن ولا عقد ولا مهر ولا شهود، وكان ذلك خصوصية للرسول صلى لله عليه وسلم روى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: