33.53-73
المناسبة: لما ذكر تعالى أحوال النبي صلى الله عليه وسلم مع أزواجه، ذكر هنا الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها المؤمنون عند دخولهم بيوت النبي صلى الله عليه وسلم من الاستئذان وعدم الإثقال، ثم بين شرف الرسول بصلاة الله والملائكة عليه، وختم السورة الكريمة بالحديث عن الساعة وما يعقبها من أهوال لأهل الكفر والضلال، وحال الأشقياء والسعداء في دار البقاء.
اللغة: ﴿ إناه ﴾ نضجه قال في اللسان: إنى الشيء بلوغه وإدراكه والإنى بكسر الهمزة والقصر: النضج ﴿ مستأنسين ﴾ الاستئناس: طلب الأنس بالحديث، تقول: استأنست بحديثه أي طلبت الأنس والسرور به، وما بالدار من أنيس أي ليس بها أحد يؤانسك أو يسليك ﴿ متاعا ﴾ المتاع: الغرض والحاجة كالماعون وغيره ﴿ بهتانا ﴾ البهتان: الافتراء والكذب الواضح، وأصله من البهت وهو القذف بالباطل ﴿ جلابيبهن ﴾ جمع جلباب وهو الثوب الذي يستر جميع البدن وهو يشبه الملاءة " الملحفة " في زماننا، قال الشاعر:
تمشي النسور إليه وهي لاهية
مشي العذارى عليهن الجلابيب
﴿ المرجفون ﴾ جمع مرجف وهو الذي يشيع الكذب والباطل لإخافة الناس به قال الشاعر:
وإنا وإن عيرتمونا بقتله
وأرجف بالإسلام باغ وحاسد
﴿ نغرينك ﴾ أغراه به: حثه وسلطه عليه. ﴿ سعيرا ﴾ نارا شديدة الاستعار.
سبب النزول: أ - روي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تزوج " زينب بنت جحش " أولم عليها، فدعا الناس فلما طعموا جلس طوائف منهم يتحدثون في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوجته مولية وجهها إلى الحائط، فثقلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أنس: فما أدري أأنا أخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أن القوم قد خرجوا أو أخبرني، قال: فانطلق حتى دخل البيت فذهبت أدخل معه فألقى الستر بيني وبينه ونزل الحجاب، ووعظ الناس بما وعظوا به وأنزل الله ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم.. ﴾.
ب - وقال ابن عباس: كان ناس من المؤمنين يتحينون طعام النبي صلى الله عليه وسلم فيدخلون قبل أن يدرك الطعام، ويقعدون إلى أن يدرك، ثم يأكلون ولا يخرجون فنزلت.
ج - وعن عائشة أن عمر رضي الله عنه قال يا رسول الله: إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن فنزلت آية الحجاب ﴿ وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من ورآء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن ﴾ الآية.
د - عن السدي أن الفساق كانوا يؤذون النساء إذا خرجن بالليل، فإذا رأوا المرأة عليها قناع تركوها وقالوا: هذه حرة، وإذا رأوها بغير قناع قالوا: أمة فآذوها فأنزل الله: ﴿ يأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونسآء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن.. ﴾ الآية.
التفسير: ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم ﴾ الإضافة للتشريف والتكريم، والآية توجيه للمؤمنين لهذا الأدب السامي العظيم والمعنى: لا تدخلوا بيوت النبي في حال من الأحوال إلا في حال الإذن لكم منه عليه السلام، مراعاة لحقوق نسائه، وحرصا على عدم إيذائه والإثقال عليه ﴿ إلى طعام غير ناظرين إناه ﴾ أي إلا حين يدعوكم إلى طعام غير منتظرين نضجه ﴿ ولكن إذا دعيتم فادخلوا ﴾ أي ولكن إذا دعيتم وأذن لكم في الدخول فادخلوا ﴿ فإذا طعمتم فانتشروا ﴾ أي فإذا انتهيتم من الطعام فتفرقوا إلى دوركم ولا تمكثوا ﴿ ولا مستأنسين لحديث ﴾ معطوف على ﴿ غير ناظرين ﴾ أي لا تدخلوا بيوته منتظرين للطعام، ولا مستأنسين لحديث بعضكم بعضا قال أبو حيان: نهوا أن يطيلوا الجلوس يستأنس بعضهم ببعض لحديث يحدثه به ﴿ إن ذلكم كان يؤذي النبي ﴾ أي إن صنيعكم هذا يؤذي الرسول، ويضايقه ويثقل عليه، ويمنعه من قضاء كثير من مصالحه وأموره ﴿ فيستحيي منكم ﴾ أي فيستحيي من إخراجكم، ويمنعه حياؤه أن يأمركم بالانصراف، لخلقه الرفيع، وقلبه الرحيم ﴿ والله لا يستحيي من الحق ﴾ أي والله جل وعلا لا يترك بيان الحق، ولا يمنعه مانع من إظهار الحق وتبيانه لكم، قال القرطبي: هذا أدب أدب الله به الثقلاء، وفي كتاب الثعلبي: حسبك من الثقلاء أن الشرع لم يحتملهم ﴿ وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من ورآء حجاب ﴾ أي وإذا أردتم حاجة من أزواجه الطاهرات فاطلبوه من وراء حاجز وحجاب ﴿ ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن ﴾ أي سؤالكم إياهن المتاع من وراء حجاب أزكى لقلوبكم وقلوبهن وأطهر، وأنفى للريبة وسوء الظن ﴿ وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ﴾ أي وما ينبغي لكم ولا يليق بكم أن تؤذوا رسولكم الذي هداكم الله به في حياته ﴿ ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا ﴾ أي ولا أن تتزوجوا زوجاته من بعد وفاته أبدا، لأنهن كالأمهات لكم، وهو كالوالد فهل يليق بكم أن تؤذوه في نفسه أو أهله؟ ﴿ إن ذلكم كان عند الله عظيما ﴾ أي إن إيذاءه ونكاح أزواجه من بعده أمر عظيم، وذنب كبير لا يغفره الله لكم قال أبو السعود: وفيه من تعظيمه تعالى لشأن رسوله صلى الله عليه وسلم وإيجاب حرمته حيا وميتا ما لا يخفى ثم قال تعالى: ﴿ إن تبدوا شيئا أو تخفوه ﴾ أي إن تظهروا أمرا من الأمور أو تخفوه في صدوركم ﴿ فإن الله كان بكل شيء عليما ﴾ أي فإن الله عالم به وسيجازيكم عليه، قال البيضاوي: وفي هذا التعميم مع البرهان على المقصود مزيد تهويل ومبالغة في الوعيد، ثم لما أنزل تعالى الحجاب استثنى المحارم فقال: ﴿ لا جناح عليهن في آبآئهن ولا أبنآئهن ولا إخوانهن ولا أبنآء إخوانهن ولا أبنآء أخواتهن ولا نسآئهن ولا ما ملكت أيمانهن ﴾ أي لا حرج ولا إثم على النساء في ترك الحجاب أمام المحارم من الرجال قال القرطبي: لما نزلت آية الحجاب قال الآباء والأبناء لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ونحن أيضا نكلمهن من وراء حجاب؟ فنزلت هذه الآية، والمراد ب ﴿ نسآئهن ﴾ نساء المؤمنين، قال ابن عباس: لأن نساء اليهود والنصارى يصفن لأزواجهن النساء المسلمات، فلا يحل للمسلمة أن تبدي شيئا منها لئلا تصفها لزوجها الكافر ﴿ واتقين الله ﴾ أي اتقين يا معشر النساء الله، واخشينه في الخلوة والعلانية ﴿ إن الله كان على كل شيء شهيدا ﴾ أي لا تخفى عليه خافية من أموركن، يعلم خطرات القلوب كما يعلم حركات الجوارح، قال الرازي: وهذا في غاية الحسن في هذا الموضع، لأن ما سبق إشارة إلى جواز الخلوة بهم والتكشف لهم، فختمها بأن الله شاهد عند اختلاء بعضهم ببعض، فالخلوة عنده مثل الجلوة فعليهم أن يتقوا الله، ثم بين تعالى قدر الرسول العظيم فقال: ﴿ إن الله وملائكته يصلون على النبي ﴾ أي إن الله جل وعلا يرحم نبيه، ويعظم شأنه، ويرفع مقامه، وملائكته الأبرار يدعون للنبي ويستغفرون له، ويطلبون من الله أن يمجد عبده ورسوله وينيله أعلى المراتب، قال القرطبي: والصلاة من الله رحمته ورضوانه، ومن الملائكة الدعاء والاستغفار، ومن الأمة الدعاء والتعظيم لأمره وقال الصاوي: وهذه الآية فيها أعظم الدليل على أنه صلى الله عليه وسلم مهبط الرحمات، وأفضل الأولين والآخرين على الإطلاق، إذ الصلاة من الله على نبيه رحمته المقرونة بالتعظيم، ومن الله على غير النبي مطلق الرحمة كقوله: