5- المبالغة بإطلاق المصدر على اسم الفاعل ﴿ أو يصبح مآؤها غورا ﴾ أي غائرا.
6- الكناية ﴿ يقلب كفيه ﴾ كناية عن التحسر والندم لأن النادم يضرب بيمينه على شماله.
7- الإنكار والتعجيب ﴿ أفتتخذونه وذريته أوليآء ﴾؟.
تنبيه: الجمهور على أن الباقيات الصالحات هن الكلمات المأثور فضلها " سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم " وقد ورد بذلك حديث تقدم ذكره وفي الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" لقيت إبراهيم ليلة أسري بي فقال يا محمد: أقرئ أمتك مني السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر "
رواه الترمذي.
18.54-82
المناسبة: لما ضرب تعالى المثل في قصة صاحب الجنتين، وضرب المثل للحياة الدنيا وما فيها من نعيم خادع ومتاع زائل، نبه تعالى إلى الغاية من ذكر هذه الأمثال وهي " العظة والاعتبار " ثم ذكر القصة الثالثة " قصة موسى مع الخضر " وما فيها من أمور غيبية عجيبة.
اللغة: ﴿ قبلا ﴾ مقابلة وعيانا ﴿ موئلا ﴾ ملجأ ومنجى قال ابن قتيبة: وأل فلان إلى كذا لجأ إليه وألا ووءولا والموئل: الملجأ قال الأعشى:
وقد أخالس رب البيت غفلته
وقد يحاذر مني ثم لا يئل
﴿ حقبا ﴾ جمع حقبة وهي السنة والمراد بالحقب هنا الزمان الطويل ﴿ سربا ﴾ السرب: المسلك في جوف الأرض ﴿ نصبا ﴾ النصب: التعب والمشقة ﴿ أمرا ﴾ أمرا عظيما يقال: إمر الأمر إذا عظم ﴿ نكرا ﴾ منكرا فظيعا جدا.
التفسير: ﴿ ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل ﴾ أي بينا في هذا القرآن الأمثال وكررنا الحجج والمواعظ ﴿ وكان الإنسان أكثر شيء جدلا ﴾ أي وطبيعة الإنسان الجدل والخصومة لا ينيب لحق ولا ينزجر لموعظة ﴿ وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى ﴾ أي ما منع الناس من الإيمان حين جاءهم الهدى من الله ﴿ ويستغفروا ربهم ﴾ أي ومن الاستغفار من الذنوب والآثام ﴿ إلا أن تأتيهم سنة الأولين ﴾ أي إلا انتظارهم أن تأتيهم سنة الأولين وهي الإهلاك ﴿ أو يأتيهم العذاب قبلا ﴾ أي يأتيهم عذاب الله عيانا ومقابلة ومعنى الآية أنه ما منعهم من الإيمان والاستغفار إلا طلبهم أن يشاهدوا العذاب الذي وعدوا به عيانا ومواجهة كقولهم
فأمطر علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم
[الأنفال: 32] ﴿ وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ﴾ أي ما نرسل الرسل إلا لغرض التبشير والإنذار لا للإهلاك والدمار، مبشرين لأهل الإيمان ومنذرين لأهل العصيان ﴿ ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق ﴾ أي ومع وضوح الحق يجادل الكفار بالباطل ليغلبوا به الحق ويبطلوه فهم حين يطلبون الخوارق ويستعجلون العذاب لا يريدون الإيمان وإنما يستهزئون ويسخرون ﴿ واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا ﴾ أي أتخذوا القرآن وما خوفوا به من العذاب سخرية واستهزاء ﴿ ومن أظلم ممن ذكر بآيت ربه فأعرض عنها ﴾ أي لا أحد أظلم ممن وعظ بآيات الله البينة، وحججه الساطعة، فتعامى عنها وتناساها ولم يلق لها بالا ﴿ ونسي ما قدمت يداه ﴾ أي نسي ما عمله من الجرائم الشنيعة، والأفعال القبيحة، ولم يتفكر في عاقبتها ﴿ إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه ﴾ أي جعلنا على قلوبهم أغطية تحول دون فقه هذا القرآن وإدراك أسراره، والانتفاع بما فيه من المواعظ والأحكام ﴿ وفي آذانهم وقرا ﴾ أي وفي آذانهم صمما معنويا يمنعهم أن يسمعوه سماع تفهم وانتفاع ﴿ وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا ﴾ أي وإن دعوتهم إلى الإيمان والقرآن فلن يستجيبوا لك أبدا لأنهم لا يفقهون ولا يسمعون، فللهدى قلوب متفتحة مستعدة لقبول الإيمان وهؤلاء كالأنعام ﴿ وربك الغفور ذو الرحمة ﴾ أي وربك يا محمد واسع المغفرة عظيم الرحمة بالعباد مع تقصيرهم وعصيانهم ﴿ لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب ﴾ أي لو يعاقبهم بما اقترفوا من المعاصي والإجرام لعجل لهم عذاب الدنيا، ولكنه تعالى يمهلهم ويؤخر عنهم العذاب الذي يستعجلونه به رحمة بهم، وقد جرت سنته بأن يمهل الظالم ولكن لا يهمله ﴿ بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا ﴾ أي لهم موعد آخر في القيامة يرون فيه الأهوال لن يجدوا لهم فيه ملجأ ولا منجى ﴿ وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا ﴾ أي تلك هي أخبار الأمم السالفة والقرون الخالية كقوم هود وصالح ولوط وشعيب أهلكناهم حين ظلموا ﴿ وجعلنا لمهلكهم موعدا ﴾ أي جعلنا لهلاكهم وقتا محددا معلوما، أفلا يعتبر هؤلاء المكذبون المعاندون؟ والآية وعيد وتهديد لكفار قريش قال ابن كثير: والمعنى احذروا أيها المشركون أن يصيبكم ما أصابهم فقد كذبتم أعظم نبي وأشرف رسول، ولستم بأعز علينا منهم فخافوا عذابي ونذري ﴿ وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين ﴾ هذه هي القصة الثالثة في هذه السورة الكريمة والمعنى اذكر حين قال موسى الكليم لفتاة " يوشع بن نون " لا أزال أسير وأتابع السير حتى أصل الى ملتقى بحر فارس وبحر الروم مما يلي جهة المشرق وهو مجمع البحرين ﴿ أو أمضي حقبا ﴾ أي أسير زمانا إلى أن أبلغ ذلك المكان ﴿ فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما ﴾ أي فلما بلغ موسى وفتاه مجمع البحرين نسي " يوشع " أن يخبر موسى بأمر الحوت وما شاهده منه من الأمر العجيب، روي أن الله تعالى أوحى إلى موسى أن يأخذ معه حوتا فيجعله في مكتل فحيثما فقد الحوت فهناك الرجل الصالح ﴿ فاتخذ سبيله في البحر سربا ﴾ أي اتخذ الحوت سبيله في البحر مسلكا قال المفسرون: كان الحوت مشويا فخرج من المكتل ودخل في البحر وأمسك الله جرية الماء على الحوت فصار كالطاق عليه وجمد الماء حوله وكان ذلك آية من آيات الله الباهرة لموسى عليه السلام ﴿ فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غدآءنا ﴾ أي فلما قطعا ذلك المكان وهو مجمع البحرين الذي جعل موعدا للملاقاة قال موسى لفتاه أعطنا طعام الغذاء ﴿ لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا ﴾ أي لقينا في هذا السفر العناء والتعب، وكان قد سار ليلة وجزءا من النهار بعد أن جاوز الصخرة ﴿ قال أرأيت إذ أوينآ إلى الصخرة فإني نسيت الحوت ﴾ أي قال الفتى " يوشع بن نون " حين طلب موسى منه الحوت للغذاء أرأيت حين التجأنا إلى الصخرة التي نمت عندها ماذا حدث من الأمر العجيب؟ لقد خرج الحوت من المكتل ودخل البحر وأصبح عليه مثل الكوة وقد نسيت أن أذكر لك ذلك حين استيقظت ﴿ ومآ أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره ﴾ أي وقد أنساني الشيطان أن أخبرك عن قصته الغريبة ﴿ واتخذ سبيله في البحر عجبا ﴾ أي واتخذ الحوت طريقه في البحر وكان أمره عجبا، يتعجب الفتى من أمره لأنه كان حوتا مشويا فدبت فيه الحياة ودخل البحر ﴿ قال ذلك ما كنا نبغ ﴾ أي قال موسى هذا الذي نطلبه ونريده لأنه علامة على غرضنا وهو لقيا الرجل الصالح ﴿ فارتدا على آثارهما قصصا ﴾ أي رجعا في طريقهما الذي جاءا منه يتتبعان أثرهما الأول لئلا يخرجا عن الطريق ﴿ فوجدا عبدا من عبادنآ ﴾ أي وجدا الخضر عليه السلام عند الصخرة التي فقد عندها الحوت، وفي الحديث أن موسى وجد الخضر مسجى بثوبه مستلقيا على الأرض فقال له: السلام عليك فرفع رأسه وقال: وأنى بأرضك السلام؟ ﴿ آتيناه رحمة من عندنا ﴾ أي وهبناه نعمة عظيمة وفضلا كبيرا وهي الكرامات التي أظهرها الله على يديه ﴿ وعلمناه من لدنا علما ﴾ أي علما خاصا بنا لا يعلم إلا بتوفيقنا وهو علم الغيوب قال العلماء: هذا العلم الرباني ثمرة الإخلاص والتقوى ويسمى " العلم اللدني " يورثه الله لمن أخلص العبودية له، ولا ينال بالكسب والمشقة وإنما هو هبة الرحمن لمن خصه الله بالقرب والولاية والكرامة ﴿ قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا ﴾ أي هل تأذن لي في مرافقتك لأقتبس من علمك ما يرشدني في حياتي؟ قال المفسرون: هذه مخاطبة فيها ملاطفة وتواضع من نبي الله الكريم وكذلك ينبغي أن يكون الإنسان مع من يريد أن يتعلم منه ﴿ قال إنك لن تستطيع معي صبرا ﴾ أي قال الخضر: إنك لا تستطيع الصبر على ما ترى قال ابن عباس: لن تصبر على صنعي لأني علمت من غيب علم ربي ﴿ وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا ﴾ أي كيف تصبر على أمر ظاهرة منكر وأنت لا تعلم باطنه؟ ﴿ قال ستجدني إن شآء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا ﴾ أي قال موسى ستراني صابرا ولا أعصي أمرك إن شاء الله ﴿ قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا ﴾ شرط عليه قبل بدء الرحلة ألا يسأله ولا يستفسر عن شيء من تصرفاته حتى يكشف له سرها، فقبل موسى شرطه رعاية لأدب المتعلم مع العالم، والمعنى لا تسألني عن شيء مما أفعله حتى أبينه لك بنفسي ﴿ فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها ﴾ أي انطلق موسى والخضر يمشيان على ساحل البحر حتى مرت بهما سفينة فعرفوا الخضر فحملوهما بدون أجر فلما ركبا السفينة عمد الخضر إلى فأس فقلع لوحا من ألواح السفينة بعد أن أصبحت في لجة البحر ﴿ قال أخرقتها لتغرق أهلها ﴾ أي قال له موسى مستنكرا: أخرقت السفينة لتغرق الركاب؟ ﴿ لقد جئت شيئا إمرا ﴾ أي فعلت شيئا عظيما هائلا، يروى أن موسى لما رأى ذلك أخذ ثوبه فجعله مكان الخرق ثم قال للخضر: قوم حملونا بغير أجر عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهل السفينة لقد فعلت أمرا منكرا عظيما!! ﴿ قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا ﴾ أي ألم أخبرك من أول الأمر أنك لا تصبر على ما ترى من صنيعي؟ ذكره بلطف في مخالفته الشرط ﴿ قال لا تؤاخذني بما نسيت ﴾ أي لا تؤاخذني بمخالفتي الشرط ونسياني العهد ﴿ ولا ترهقني من أمري عسرا ﴾ أي لا تكلفني مشقة في صحبتي إياك وعاملني باليسر لا بالعسر ﴿ فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله ﴾ أي فقبل عذره وانطلقا بعد نزولهما من السفينة يمشيان فمرا بغلمان يلعبون وفيهم غلام وضيء الوجه جميل الصورة فأمسكه الخضر واقتلع رأسه بيده ثم رماه في الأرض ﴿ قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس ﴾ أي قال موسى: أقتلت نفسا طاهرة لم ترتكب جرما ولم تقتل نفسا حتى تقتل به ﴿ لقد جئت شيئا نكرا ﴾ أي فعلت شيئا منكرا عظيما لا يمكن السكوت عنه.