تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

. لم يكن موسى ناسيا في هذه المرة ولا غافلا ولكنه قاصد أن ينكر المنكر الذي لا يصبر على وقوعه بالرغم من تذكره لوعده، وقال هنا ﴿ نكرا ﴾ أي منكرا فظيعا وهو أبلغ من قوله ﴿ أمرا ﴾ في الآية السابقة، ذكر القرطبي أن موسى عليه السلام لما قال للخضر ﴿ أقتلت نفسا زكية ﴾ غضب واقتلع كتف الصبي الأيسر وقشر اللحم عنه فإذا مكتوب في عظم كتفه كافر لا يؤمن بالله أبدا ﴿ قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا ﴾ أي ألم أقل لك أنث على التعيين والتحديد لن تستطيع الصبر على ما ترى مني؟ قال المفسرون: وقره في الأول فلم يواجهه بكاف الخطاب فلما خالف في الثاني واجهه بقوله ﴿ لك ﴾ لعدم العذر هنا، ويعود موسى لنفسه ويجد أنه خالف وعده مرتين، فيندفع ويقطع على نفسه الطريق ويجعلها آخر فرصة أمامه ﴿ قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني ﴾ أي إن أنكرت عليك بعد هذه المرة واعترضت على ما يصدر منك فلا تصحبني معك ﴿ قد بلغت من لدني عذرا ﴾ أي قد أعذرت إلي في ترك مصاحبتي فأنت معذور عندي لمخالفتي لك ثلاث مرات ﴿ فانطلقا حتى إذآ أتيآ أهل قرية استطعمآ أهلها فأبوا أن يضيفوهما ﴾ أي مشيا حتى وصلا إلى قرية قال ابن عباس: هي انطاكية فطلبا طعاما وكان أهلها لئاما لا يطعمون جائعا، ولا يتسضيفون ضيفا، فامتنعوا عن إضافتهما أو إطعامهما ﴿ فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض ﴾ أي وجدا في القرية حائطا مائلا يوشك أن يسقط ويقع ﴿ فأقامه ﴾ أي مسحه الخضر بيده فاستقام، وقيل إنه هدمه ثم بناه وكلاهما مروي عن ابن عباس ﴿ قال لو شئت لتخذت عليه أجرا ﴾ أي قال له موسى لو أخذت منهم أجرا نستعين به على شراء الطعام!! أنكر عليه موسى صنيع المعروف مع غير أهله، روي أن موسى قال للخضر: قوم استطعمناهم فلم يطعمونا، وضفناهم فلم يضيفونا ثم قعدت تبني لهم الجدار لو شئت لاتخذت عليه أجرا! ﴿ قال هذا فراق بيني وبينك ﴾ أي قال الخضر: هذا وقت الفراق بيننا حسب قولك ﴿ سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا ﴾ أي سأخبرك بحكمة هذه المسائل الثلاث التي أنكرتها علي ولم تستطع عليها وفي الحديث

" رحم الله أخي موسى لوددت أنه صبر حتى يقص الله علينا من أمرهما ولو لبث مع صاحبه لأبصر العجب "

﴿ أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر ﴾ هذا بيان وتفصيل للأحداث العجيبة التي رآها موسى ولم يطق لها صبرا والمعنى أما السفينة التي خرقتها فكانت لأناس ضعفاء لا يقدرون على مدافعة الظلمة يشتغلون بها في البحر بقصد التكسب ﴿ فأردت أن أعيبها ﴾ أي أردت بخرقها أن أجعلها معيبة لئلا يغتصبها الملك الظالم ﴿ وكان ورآءهم ملك ﴾ أي كان أمامهم ملك كافر ظالم ﴿ يأخذ كل سفينة غصبا ﴾ أي يغتصب كل سفينة صالحة لا عيب فيها ﴿ وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين ﴾ أي وأما الغلام الذي قتلته فكان كافرا فاجرا وكان أبواه مؤمنين وفي الحديث

" إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرا، ولو عاش لأرهق أبويه طغيانا وكفرا "

﴿ فخشينآ أن يرهقهما طغيانا وكفرا ﴾ أي فخفنا أن يحملهما حبه على اتباعه في الكفر والضلال ﴿ فأردنآ أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما ﴾ أي فأردنا بقتله أن يرزقهما الله ولدا صالحا خيرا من ذلك الكافر وأقرب برا ورحمة بوالديه ﴿ وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما ﴾ أي وأما الجدار الذي بنيته دون أجر والذي كان يوشك أن يسقط فقد خبئ تحته كنز من ذهب وفضة لغلامين يتيمين ﴿ وكان أبوهما صالحا ﴾ أي وكان والدهما صالحا تقيا فحفظ الله لهما الكنز لصلاح الوالد قال المفسرون: إن صلاح الأباء ينفع الأبناء، وتقوى الأصول تنفع الفروع ﴿ فأراد ربك أن يبلغآ أشدهما ويستخرجا كنزهما ﴾ أي فأراد الله بهذا الصنيع أن يكبرا ويشتد عودهما ويستخرجا كنزهما من تحت الجدار ﴿ رحمة من ربك ﴾ أي رحمة من الله بهما لصلاح أبيهما ﴿ وما فعلته عن أمري ﴾ أي ما فعلت ما رأيت من خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدارعن رأيي واجتهادي، بل فعلته بأمر الله وإلهامه ﴿ ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا ﴾ أي ذلك تفسير الأمور التي لم تستطع الصبر عليها وعارضت فيها قبل أن أخبرك عنها.

صفوة التفاسير · الصفحة ٣٨٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٣٨٦