تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

18.27-53

المناسبة: لما ذكر تعالى قصة أهل الكهف وهي تمثل صور التضحية والبطولة في سبيل العقيدة والإيمان، أعقبها بذكر قصة صاحب الجنتين وهي نموذج آخر للعقيدة ممثلة في قصة الأخوين من بني إسرائيل: المؤمن المعتز بإيمانه، والكافر وهو صاحب الجنتين، وما فيها من عبر وعظات، وفي ثنايا الآيات جاءت بعض التوجيهات القرآنية الكريمة.

اللغة: ﴿ ملتحدا ﴾ ملجأ وأصله من لحد إذا مال، ومن لجأت إليه فقد ملت إليه هكذا قال أهل اللغة ﴿ فرطا ﴾ مجاوزا للحد من قولهم فرس فرط إذا كان متقدما للخيل، قال الليث: الفرط الأمر الذي يفرط فيه قال الشاعر:

لقد كلفتني شطا

وأمرا خائبا فرطا

﴿ سرادقها ﴾ السرادق: السور والحائط ﴿ المهل ﴾ كل ما أذيب من المعادن قال أبو عبيدة: كل شيء أذبته من ذهب أو نحاس أو فضة فهو المهل ﴿ سندس ﴾ السندس: الرقيق من الحرير ﴿ وإستبرق ﴾ الاستبرق: الغليظ من الحرير وهو الديباج قال الشاعر:

تراهن يلبسن المشاعر مرة

واستبرق الديباج طورا لباسها

﴿ الأرآئك ﴾ جمع أريكة وهي السرير المزين بالثياب والستور كسرير العروس ﴿ حسبانا ﴾ جمع حسبانه وهي الصاعقة ﴿ هشيما ﴾ الهشيم: اليابس المتكسر من النبات ﴿ نغادر ﴾ نترك.

سبب النزول: روى أن أشراف قريش اجتمعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا له: إن أردت أن نؤمن بك فاطرد هؤلاء الفقراء من عندك يعنون " بلالا، وخبابا، وصهيبا " وغيرهم فإنا نأنف أن نجتمع بهم، وتعين لهم وقتا يجتمعون فيه عندك فأنزل الله ﴿ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم.. ﴾ الآية.

التفسير: ﴿ واتل مآ أوحي إليك من كتاب ربك ﴾ أي إقرأ يا محمد ما أوحاه إليك ربك من آيات الذكر الحكيم ﴿ لا مبدل لكلماته ﴾ أي لا يقدر أحد أن يغير أو يبدل كلام الله ﴿ ولن تجد من دونه ملتحدا ﴾ أي لن تجد ملجأ غير الله تعالى أبدا ﴿ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ﴾ أي احبس نفسك مع الضعفاء والفقراء من المسلمين الذين يدعون ربهم بالصباح والمساء ﴿ يريدون وجهه ﴾ أي يبتغون بدعائهم وجه الله تعالى ﴿ ولا تعد عيناك عنهم ﴾ أي لا تصرف بصرك إلى غيرهم من ذوي الغنى والشرف قال المفسرون: كان عليه السلام حريصا على إيمان الرؤساء ليؤمن أتباعهم ولم يكن مريدا لزينة الدنيا قط، فأمر أن يجعل إقباله على فقراء المؤمنين وأن يعرض عن أولئك العظماء والأشراف من المشركين ﴿ تريد زينة الحياة الدنيا ﴾ أي تبتغي بمجالستهم الشرف والفخر قال ابن عباس: لا تجاوزهم إلى غيرهم تطلب بدلهم أصحاب الشرف والثروة ﴿ ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا ﴾ أي لا تطع كلام الذين سألوك طرد المؤمنين فقلوبهم غافلة عن ذكر الله، وقد شغلوا عن الدين وعبادة ربهم بالدنيا قال المفسرون: نزلت في عيينة بن حصن وأصحابه أتى النبي صلى الله عليه وسلم وعنده جماعة من الفقراء منهم " سلمان الفارسي " وعليه شملة صوف قد عرق فيها فقال عيينة للنبي صلى الله عليه وسلم: أما يؤذيك ريح هؤلاء؟ ونحن سادة مضر وأشرافها إن أسلمنا يسلم الناس، وما يمنعنا من اتباعك إلا هؤلاء فنحهم عنك حتى نتبعك، أو اجعل لنا مجلسا ولهم مجلس، فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجيبهم إلى ما طلبوا فلما نزلت الآية خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتمس هؤلاء الفقراء فلما رآهم جلس معهم وقال

" الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني ربي أن أصبر نفسي معهم "

﴿ واتبع هواه ﴾ أي سار مع هواه وترك أمر الله ﴿ وكان أمره فرطا ﴾ أي كان أمره ضياعا وهلاكا ودمارا ﴿ وقل الحق من ربكم فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر ﴾ ظاهره أمر وحقيقته وعيد وإنذار أي قل يا محمد لهؤلاء الغافلين لقد ظهر الحق وبان بتوضيح الرحمن فإن شئتم فآمنوا وإن شئتم فاكفروا كقوله

صفوة التفاسير · الصفحة ٣٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٣٨٢