!! أخرجه الشيخان.
تنبيه: قال العلامة القرطبي: " كرامات الأنبياء ثابتة على ما دلت عليه الأخبار والآيات المتواترة، ولا ينكرها إلا المبتدع الجاحد أو الفاسق الحائد، فالآيات ما أخبر الله تعالى في حق مريم من ظهور الفواكه الشتوية في الصيف، والصيفية في الشتاء، وما ظهر على يدها حيث هزت النخلة وكانت يابسة فأثمرت، وهي ليست بنبية، ويدل أيضا ما ظهر على يد الخضر من خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار " أ ه. القرطبي 11/28.
18.83-110
المناسبة: لما ذكر تعالى قصة الخضر أعقبها بقصة ذي القرنين ورحلاته الثلاث إلى الغرب، والشرق، وإلى السدين، وبناؤه للسد في وجه " يأجوج ومأجوج " وهي القصة الرابعة من القصص المذكورة في هذه السورة، وجميعها ترتبط بالعقيدة والإيمان، وهو الهدف الأصيل للسورة الكريمة.
اللغة: (ذو القرنين) هو الاسكندر المقدوني وهو ملك صالح أعطي العلم والحكمة، سمي بذي القرنين لأنه ملك مشارق الأرض ومغاربها وكان مسلما عادلا قال الشاعر:
قد كان ذو القرنين قبلي مسلما
ملكا علا في الأرض غير مفند
بلغ المشارق والمغارب يبتغي
أسباب ملك من كريم سيد
﴿ حمئة ﴾ كثيرة الحمأة وهي الطينة السوداء ﴿ سدا ﴾ السد: الحاجز والحائل بين الشيئين ﴿ ردما ﴾ الردم. السد المنيع وهو أكبر من السد لأن الردم ما جعل بعضه على بعض حتى يصبح كالحجاب المنيع فالردم الحاجز الحصين المتين ﴿ زبر الحديد ﴾ قطع الحديد مفردة زبرة وهي القطعة ﴿ الصدفين ﴾ جانبا الجبل قال أبو عبيدة: الصدف كل بناء عظيم مرتفع ﴿ قطرا ﴾ القطر: النحاس المذاب ﴿ نقبا ﴾ خرقا وثقبا ﴿ دكآء ﴾ مدكوكا مسوى بالأرض قال الأزهري: دككته أي دققته ﴿ يموج ﴾ يختلط ويضطرب ﴿ الفردوس ﴾ قال الفراء: البستان الذي فيه العنب وقال ثعلب: كل بستان يحوط عليه فهو فردوس.
سبب النزول: أ - قال قتادة: إن اليهود سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذي القرنين فأنزل الله ﴿ ويسألونك عن ذي القرنين.. ﴾ الآية.
ب - قال مجاهد: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: إني أتصدق، وأصل الرحم، ولا أصنع ذلك إلا لله تعالى، فيذكر ذلك مني وأحمد عليه فيسرني ذلك وأعجب به، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئا فأنزل الله ﴿ فمن كان يرجوا لقآء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ﴾.
التفسير: ﴿ ويسألونك عن ذي القرنين ﴾ أي يسألك اليهود يا محمد عن ذي القرنين ما شأنه؟ وما قصته؟ ﴿ قل سأتلوا عليكم منه ذكرا ﴾ أي قل لهم سأقص عليكم من نبأه وخبره قرآنا ووحيا ﴿ إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا ﴾ أي يسرنا له أسباب الملك والسلطان والفتح والعمران، وأعطيناه كل ما يحتاج إليه للوصول إلى غرضه من أسباب العلم والقدرة والتصرف قال المفسرون: ذو القرنين هو " الاسكندر اليوناني " ملك المشرق والمغرب فسمي ذا القرنين، وكان ملكا مؤمنا مكن الله له في الأرض فعدل في حكمه وأصلح، وكان في الفترة بين عيسى ومحمد صلوات الله عليهما روي أن الذين ملكوا الأرض أربعة: مؤمنان وكافران، أما المؤمنان فسليمان وذو القرنين، وأما الكافران فنمرود وبختنصر ﴿ فأتبع سببا ﴾ أي سلك طريقه الذي يسره الله له وسار جهة المغرب ﴿ حتى إذا بلغ مغرب الشمس ﴾ أي وصل المغرب ﴿ وجدها تغرب في عين حمئة ﴾ أي وجد الشمس تغرب في ماء وطين - حسب ما شاهد لا حسب الحقيقة - فإن الشمس أعظم من أن تدخل في عين من عيون الأرض قال الرازي: إن ذا القرنين لما بلغ أقصى المغرب ولم يبق بعدة شيء من العمارات وجد الشمس كأنها تغرب في عين وهذه مظلمة وإن لم تكن كذلك في الحقيقة كما أن راكب البحر يرى الشمس كأنها تغيب في البحر إذا لم ير الشط وهي في الحقيقة تغيب وراء البحر ﴿ ووجد عندها قوما ﴾ أي وجد عند تلك العين الحارة ذات الطين قوما من الأقوام ﴿ قلنا يذا القرنين إمآ أن تعذب وإمآ أن تتخذ فيهم حسنا ﴾ أي قلنا له بطريق الإلهام: إما أن تقتلهم أو تدعوهم بالحسنى إلى الهداية والإيمان قال المفسرون: كانوا كفارا فخيره الله بين أن يعذبهم بالقتل، أو يدعوهم إلى الإسلام فيحسن إليهم ﴿ قال أما من ظلم فسوف نعذبه ﴾ أي من أصر على الكفر فسوف نقتله ﴿ ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا ﴾ أي ثم يرجع إلى ربه فيعذبه عذابا منكرا فظيعا في نار جهنم ﴿ وأما من آمن وعمل صالحا فله جزآء الحسنى ﴾ أي وأما من آمن بالله وأحسن العمل في الدنيا وقدم الصالحات فجزاؤه الجنة يتنعم فيها ﴿ وسنقول له من أمرنا يسرا ﴾ أي نيسر عليه في الدنيا فلا نكلفه بما هو شاق بل بالسهل الميسر.