اعملوا ما شئتم
[فصلت: 40] ﴿ إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها ﴾ أي هيأنا للكافرين بالله ورسوله نارا حامية شديدة أحاط بهم سورها كإحاطة السوار بالمعصم ﴿ وإن يستغيثوا يغاثوا بمآء كالمهل يشوي الوجوه ﴾ أي وإن استغاثوا من شدة العطش فطلبوا الماء أغيثوا بماء شديد الحرارة كالنحاس المذاب أو كعكر الزيت المحمى يشوي وجوههم إذا قرب منهم من شدة حره وفي الحديث
" ماء كعكر الزيت فإذا قرب إليه سقطت فروة وجهه فيه "
أي سقطت جلدة وجهه فيه أعاذنا الله من جهنم ﴿ بئس الشراب وسآءت مرتفقا ﴾ أي بئس ذلك الشراب الذي يعاثون به وساءت جهنم منزلا ومقيلا يرتفق به أهل النار ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا ﴾ لما ذكر تعالى حال الأشقياء أعقبه بذكر حال السعداء، على طريقة القرآن في الترغيب والترهيب، أي إنا لا نضيع ثواب من أحسن عمله وأخلص فيه بل نزيده وننميه ﴿ أولئك لهم جنات عدن ﴾ أي لهم جنات إقامة ﴿ تجري من تحتهم الأنهار ﴾ أي تجري من تحت غرفهم ومنازلهم أنهار الجنة ﴿ يحلون فيها من أساور من ذهب ﴾ أي يحلون في الجنة بأساور الذهب قال المفسرون: ليس أحد من أهل الجنة إلا وفي يده ثلاثة أساور: سوار من ذهب، وسوار من فضة، وسوار من لؤلؤ، لأن الله تعالى: قال
وحلوا أساور من فضة
[الإنسان: 21] وقال
ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير
[فاطر: 33] وفي الحديث
" تبلغ حلية المؤمن حيث يبلغ الوضوء "
﴿ ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق ﴾ أي وهم رافلون في ألوان من الحرير، برقيق الحرير وهو السندس، وبغليظه وهو الاستبرق قال الطبري: معنى الآية أنهم يلبسون من الحلي أساور من ذهب، ويلبسون من الثياب السندس وهو ما رق من الديباج، والاستبرق وهو ما غلظ فيه وثخن ﴿ متكئين فيها على الأرآئك ﴾ أي متكئين في الجنة على السرر الذهبية المزينة بالثياب والستور قال ابن عباس: الآرائك الأسرة من ذهب وهي مكللة بالدر والياقوت عليها الحجال، الأريكة ما بين صنعاء إلى أيلة، وما بين عدن إلى الجابية ﴿ نعم الثواب وحسنت مرتفقا ﴾ أي نعم ذلك جزاء المتقين، وحسنت الجنة منزلا ومقيلا لهم ﴿ واضرب لهم مثلا رجلين ﴾ أي اضرب لهؤلاء الكفار الذين طلبوا منك أن تطرد الفقراء هذا المثل قال المفسرون: هما أخوان من بني إسرائيل، أحدهما مؤمن، والآخر كافر، ورثا مالا عن أبيهما فاشترى الكافر بماله حديقتين، وأنفق المؤمن ماله في مرضاة الله حتى نفد ماله فعيره الكافر بفقره، فأهلك الله مال الكافر، وضرب هذا مثلا للمؤمن الذي يعمل بطاعة الله، والكافر الذي أبطرته النعمة ﴿ جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب ﴾ أي جعلنا لأحدهما - وهو الكافر - بستانين من شجر العنب، مثمرين بأنواع العنب اللذيذ ﴿ وحففناهما بنخل ﴾ أي أحطناهما بسياج من شجر النخيل ﴿ وجعلنا بينهما زرعا ﴾ أي جعلنا وسط هذين البستانين زرعا ويتفجر بينهما نهر، وإنه لمنظر بهيج يصوره القرآن أروع تصوير، منظر الحديقتين المثمرتين بأنواع الكرم، المحفوفتين بأشجار النخيل، تتوسطهما الزروع وتتفجر بينهما الأنهار ﴿ كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا ﴾ أي كل واحدة من الحديقتين أخرجت ثمرها يانعا في غاية الجودة والطيب ولم تنقص منه شيئا ﴿ وفجرنا خلالهما نهرا ﴾ أي جعلنا النهر يسير وسط الحديقتين ﴿ وكان له ثمر ﴾ أي وكان للأخ الكافر من جنتيه أنواع من الفواكه والثمار ﴿ فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا ﴾ أي قال صاحب الجنتين لصاحبه المؤمن وهو يجادله ويخاصمه ويفتخرعليه ويتعالى: أنا أغنى منك وأشرف، وأكثر أنصارا وخدما ﴿ ودخل جنته وهو ظالم لنفسه ﴾ أي أخذ بيد أخيه المؤمن ودخل الحديقة يطوف به فيها ويريه ما فيها من أشجار وثمار وأنهار وهو ظالم لنفسه بالعجب والكفر ﴿ قال مآ أظن أن تبيد هذه أبدا ﴾ أي ما أعتقد أن تفنى هذه الحديقة أبدا ﴿ ومآ أظن الساعة قائمة ﴾ أي وما أعتقد القيامة كائنة وحاصلة، أنكر فناء جنته وأنكر البعث والنشور ﴿ ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها ﴾ أي ولئن كان هناك بعث - على - سبيل الفرض والتقدير كما تزعم - فسوف يعطيني الله خيرا من هذا وأفضل ﴿ منقلبا ﴾ أي مرجعا وعاقبة، فكما أعطاني هذا في الدنيا فسيعطيني في الآخرة لكرامتي عليه ﴿ قال له صاحبه وهو يحاوره ﴾ أي قال ذلك المؤمن الفقير وهو يراجع أخاه ويجادله ﴿ أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا ﴾ أي أجحدت الله الذي خلق أصلك من تراب ثم من مني ثم سواك إنسانا سويا؟ الاستفهام للتقريع والتوبيخ ﴿ لكنا هو الله ربي ﴾ أي لكن أنا اعترف بوجود الله فهو ربي وخالقي ﴿ ولا أشرك بربي أحدا ﴾ أي لا أشرك مع الله غيره، فهو المعبود وحده لا شريك له ﴿ ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شآء الله ﴾ أي فهلا حين دخلت حديقتك وأعجبت بما فيها من الأشجار والثمار قلت: هذا من فضل الله، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ﴿ لا قوة إلا بالله ﴾ أي لا قدرة لنا على طاعته إلا بتوفيقه ومعونته ﴿ إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا ﴾ أي قال المؤمن للكافر: إن كنت ترى أنني أفقر منك وتعتز علي بكثرة مالك وأولادك ﴿ فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك ﴾ جواب الشرط أي إني أتوقع من صنع الله تعالى وإحسانه أن يقلب ما بي وما بك من الفقر والغنى فيرزقني جنة خيرا من جنتك لإيماني به، ويسلب عنك نعمته لكفرك به ويخرب بستانك ﴿ ويرسل عليها حسبانا من السمآء ﴾ أي يرسل عليها آفة تجتاحها أو صواعق من السماء تدمرها ﴿ فتصبح صعيدا زلقا ﴾ أي تصبح الحديقة أرضا ملساء لا تثبت عليها قدم، جرداء لا نبات فيها ولا شجر ﴿ أو يصبح مآؤها غورا فلن تستطيع له طلبا ﴾ أي يغور ماؤها في الأرض فيتلف كل ما فيها من الزرع والشجر، وحينئذ لا تستطيع طلبه فضلا عن إعادته ورده، وينتهي الحوار هنا وتكون المفاجأة المدهشة فيتحقق رجاء المؤمن بزاول النعيم عن الكافر وفجأة ينقلنا السياق من مشهد البهجة والازدهار الى مشهد البوار والدمار ﴿ وأحيط بثمره ﴾ أي هلكت جنته بالكلية واستولى عليها الخراب والدمار في الزروع والثمار ﴿ فأصبح يقلب كفيه على مآ أنفق فيها ﴾ أي يقلب كفيه ظهرا لبطن أسفا وحزنا على ماله الضائع وجهده الذاهب قال القرطبي: أي يضرب إحدى يديه على الأخرى ندما لأن هذا يصدر من النادم ﴿ وهي خاوية على عروشها ﴾ أي مهشمة محطمة قد سقطت السقوف على الجدران فأصبحت خرابا يبابا ﴿ ويقول يليتني لم أشرك بربي أحدا ﴾ أي وهو نادم على إشراكه بالله يتمنى أن لم يكن قد كفر النعمة، ندم حين لا ينفع الندم قال تعالى ﴿ ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله ﴾ أي لم تكن له جماعة تنصره وتدفع عنه الهلاك ﴿ وما كان منتصرا ﴾ أي وما كان بنفسه ممتنعا عن انتقام الله سبحانه، فلم تنفعه العشيرة والولد حين اعتز وافتخر بهم وما استطاع بنفسه أن يدفع عنه العذاب ﴿ هنالك الولاية لله الحق ﴾ أي في ذلك المقام وتلك الحال تكون النصرة لله وحده لا يقدر عليها أحد فهو الولي الحق الذي ينصر أولياءه ﴿ هو خير ثوابا وخير عقبا ﴾ أي الله خير ثوابا في الدنيا والآخرة لمن آمن به، وهو خير عاقبة لمن اعتمد عليه ورجاه ﴿ واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كمآء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض ﴾ هذا مثل آخر للدنيا وبهرجها الخادع يشبه مثل الجنتين في الفناء والزوال والمعنى اضرب يا محمد للناس مثل هذه الحياة في زوالها وفنائها وانقضائها بماء نزل من السماء فخرج به النبات وافيا غزيرا وخالط بعضه بعضا من كثرته وتكاثفه ﴿ فأصبح هشيما تذروه الرياح ﴾ أي صار النبات متكسرا من اليبس متفتتا تنسفه الرياح ذات اليمين وذات الشمال ﴿ وكان الله على كل شيء مقتدرا ﴾ أي قادرا على الإفناء والإحياء لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء ﴿ المال والبنون زينة الحياة الدنيا ﴾ أي الأموال والأولاد زينة هذه الحياة الفانية، ذاك مثلها وهذه زينتها والكل إلى فناء وزوال لا يغتر بها إلا الأحمق الجهول ﴿ والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا ﴾ أي أعمال الخير تبقى ثمرتها أبد الآباد فهي خير ما يؤمله الإنسان ويرجوه عند الله قال ابن عباس: الباقيات الصالحات هي الصلوات الخمس وعنه أيضا أنها كل عمل صالح من قول أو فعل يبقى للآخرة وفي الحديث