تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال الإمام الفخر: إن شعيبا أمرهم بشيئين: بالتوحيد، وترك البخس، فأنكروا عليه أمره بهذين النوعين فقوله ﴿ ما يعبد ءاباؤنآ ﴾ إشارة إلى التوحيد، ﴿ نفعل في أموالنا ﴾ إشارة إلى ترك البخس، وقد يراد بالصلاة الدين والمعنى: دينك يأمرك بذلك؟ وأطلق عليه الصلاة لأنها أظهر شعار الدين، وروي أن شعيبا كان كثير الصلاة وكان قومه إذا رأوه يصلي تغامزوا وتضاحكوا، فقصدوا بقولهم ﴿ أصلوتك تأمرك ﴾ السخرية والهزء، كما إذا رأيت معتوها يطالع كتبا ثم يذكر كلاما فاسدا فتقول: هذا من مطالعة تلك الكتب؟ ﴿ إنك لأنت الحليم الرشيد ﴾ أي إنك لأنت العاقل المتصف بالحلم والرشد؟ قال الطبري: يستهزئون به فإنهم أعداء الله قالوا له ذلك استهزاء، وإنما سفهوه وجهلوه بهذا الكلام ﴿ قال يقوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ﴾ أي قال لهم شعيب: أخبروني إن كنت على برهان من ربي وهو الهداية والنبوة ﴿ ورزقني منه رزقا حسنا ﴾ أي أعطاني المال الحلال، فقد كان عليه السلام كثير المال قال الزمخشري: والجواب محذوف دل عليه المعنى أي أخبروني إن كنت على حجة واضحة، ويقين من ربي، وكنت نبيا على الحقيقة أيصح لي أن لا آمركم بترك عبادة الأوثان، والكف عن المعاصي؟ والأنبياء لا يبعثون إلا لذلك ﴿ ومآ أريد أن أخالفكم إلى مآ أنهاكم عنه ﴾ أي لست أنهاكم عن شيء وأرتكبه وإنما آمركم بما آمر به نفسي ﴿ إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ﴾ أي لا أريد فيما آمركم به وأنهاكم عنه إلا إصلاحكم وإصلاح أمركم بقدر استطاعتي ﴿ وما توفيقي إلا بالله ﴾ أي ليس التوفيق إلى الخير إلا بتأييده سبحانه ومعونته ﴿ عليه توكلت وإليه أنيب ﴾ أي على الله سبحانه اعتمدت في جميع أموري، وإليه تعالى أرجع بالتوبة والإنابة ﴿ ويقوم لا يجرمنكم شقاقي ﴾ أي لا يكسبنكم عداوتي ﴿ أن يصيبكم مثل مآ أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح ﴾ أي يصيبكم العذاب كما أصاب قوم نوح بالغرق، وقوم هود بالريح، وقوم صالح بالرجفة وقال الحسن المعنى: لا يحملنكم معاداتي على ترك الإيمان فيصيبكم ما أصاب الكفار ﴿ وما قوم لوط منكم ببعيد ﴾ أي وما ديار الظالمين من قوم لوط بمكان بعيد، أفلا تتعظون وتعتبرون!؟ ﴿ واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه ﴾ أي استغفروا ربكم من جميع الذنوب، ثم توبوا إليه توبة نصوحا ﴿ إن ربي رحيم ودود ﴾ أي إنه جل وعلا عظيم الرحمة، كثير الود والمحبة لمن تاب وأناب ﴿ قالوا يشعيب ما نفقه كثيرا مما تقول ﴾ أي قالوا لنبيهم شعيب على وجه الاستهانة: ما نفهم كثيرا مما تحدثنا به قال الألوسي: جعلوا كلامه المشتمل على فنون الحكم والمواعظ، وأنواع العلوم والمعارف، من قبيل التخليط والهذيان الذي لا يفهم معناه، ولا يدرك فحواه مع أنه كما ورد في الحديث الشريف (خطيب الأنبياء) ﴿ وإنا لنراك فينا ضعيفا ﴾ أي لا قوة لك ولا عز فيما بيننا ﴿ ولولا رهطك لرجمناك ﴾ أي ولولا جماعتك لقتلناك رميا بالأحجار ﴿ ومآ أنت علينا بعزيز ﴾ أي لست عندنا بمكرم ولا محترم حتى نمتنع من رجمك ﴿ قال يقوم أرهطي أعز عليكم من الله ﴾؟ هذا توبيخ لهم أي أتتركوني لأجل قومي ولا تتركوني إعظاما لجناب الرب تبارك وتعالى؟ فهل عشيرتي أعز عندكم من الله وأكرم؟ قال ابن عباس: إن قوم شعيب ورهطه كانوا أعز عليهم من الله وصغر شأن الله عندهم، عز ربنا وجل ثناؤه ﴿ واتخذتموه ورآءكم ظهريا ﴾ أي جعلتم الله خلف ظهوركم لا تطيعونه ولا تعظمونه كالشيء المنبوذ وراء الظهر لا يعبأ به، وهذا مثل قال الطبري: يقال للرجل إذا لم يقض حاجة الرجل: نبذ حاجته وراء ظهره أي تركها ولم يلتفت إليها ﴿ إن ربي بما تعملون محيط ﴾ أي إنه جل وعلا قد أحاط علما بأعمالكم السيئة وسيجازيكم عليها ﴿ ويقوم اعملوا على مكانتكم إني عامل ﴾ تهديد شديد أي اعملوا على طريقتكم إني عامل على طريقتي كأنه يقول: اثبتوا على ما أنتم عليه من الكفر والعداوة، فأنا ثابت على الإسلام والمصابرة ﴿ سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ﴾ أي سوف تعلمون الذي يأتيه عذاب يذله ويهينه ﴿ ومن هو كاذب ﴾ أي وتعلمون من هو الكاذب ﴿ وارتقبوا إني معكم رقيب ﴾ أي انتظروا عاقبة أمركم إنني منتظر معكم ﴿ ولما جآء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا ﴾ أي ولما جاء أمرنا بإهلاكهم نجينا شعيبا والمؤمنين معه بسبب رحمة عظيمة منا لهم ﴿ وأخذت الذين ظلموا الصيحة ﴾ أي وأخذ أولئك الظالمين صيحة العذاب قال القرطبي: صاح بهم جبريل صيحة فخرجت أرواحهم من أجسادهم ﴿ فأصبحوا في ديارهم جاثمين ﴾ أي موتى هامدين لا حراك بهم قال ابن كثير: وذكر ههنا أنه أتتهم صيحة، وفي الأعراف رجفة، وفي الشعراء عذاب يوم الظلة، وهم أمة واحدة اجتمع عليهم يوم عذابهم هذه النقم كلها، وإنما ذكر في كل سياق ما يناسبه ﴿ كأن لم يغنوا فيهآ ﴾ أي كأن لم يعيشوا ويقيموا في ديارهم قبل ذلك ﴿ ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود ﴾ قال الطبري: أي ألا أبعد الله مدين من رحمته بإحلال نقمته، كما بعدت من قبلهم ثمود من رحمته بإنزال سخطه بهم ﴿ ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين ﴾ هذه هي القصة السابعة وهي آخر القصص في هذه السورة والمعنى: لقد أرسلنا موسى بشرائع وأحكام وتكاليف إلهية، وأيدناه بمعجزات قاهرة، وبينات باهرة، كالعصا واليد ﴿ إلى فرعون وملئه ﴾ أي إلى فرعون وأشراف قومه ﴿ فاتبعوا أمر فرعون ﴾ أي فأطاعوا أمر فرعون وعصوا أمر الله ﴿ ومآ أمر فرعون برشيد ﴾ أي وما أمر فرعون بسديد لأنه ليس فيه رشد ولا هدى، وإنما هو جهل وضلال ﴿ يقدم قومه يوم القيامة ﴾ أي يتقدم أمامهم إلى النار يوم القيامة كما كان يتقدمهم في الدنيا ﴿ فأوردهم النار ﴾ أي أدخلهم نار جهنم ﴿ وبئس الورد المورود ﴾ أي بئس المدخل المدخول هي.

صفوة التفاسير · الصفحة ٣١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٣١٧