11.100-123
المناسبة: لما ذكر تعالى بعض قصص المرسلين، وما حل بأممهم من النكال والدمار، ذكر هنا العبرة من سرد هذه القصص، وهي أن تكون شاهدا على تعجيل العقوبة للمكذبين والانتقام العاجل منهم وبرهانا على تأييد الله ونصرته لأوليائه وأنبيائه، وقد ذكرت الآيات يوم القيامة وانقسام الناس فيه إلى فريقين: سعداء، وأشقياء، وختمت السورة الكريمة بأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالصبر على الأذى، والتوكل على الحي القيوم.
اللغة: ﴿ حصيد ﴾ مستأصل كالزرع المحصود ﴿ تتبيب ﴾ التباب: الهلاك والخسران قال لبيد:
فلقد بليت وكل صاحب جدة
لبلى يعود وذاكم التتبيب
﴿ زفير ﴾ الزفير: إخراج النفس من شدة الجري ﴿ وشهيق ﴾ الشهيق: رد النفس وقال الليث: الزفير أن يملأ الرجل صدره من النفس في حال الغم الشديد ويخرجه، والشهيق أن يخرج ذلك النفس بشدة وقال بعض أهل اللغة: الزفير مثل أول نهيق الحمار، والشهيق مثل آخره ﴿ مجذوذ ﴾ مقطوع من جذه يجذه إذا قطعه ﴿ تركنوا ﴾ الركون: الميل إلى الشيء والرضا به ﴿ زلفا ﴾ الزلف: جمع زلفة وهي الطائفة من أول الليل قال ثعلب: هي أول ساعات الليل، وأصلها من الزلفى وهي القربة
وأزلفت الجنة
[الشعراء: 90] قربت ﴿ أترفوا ﴾ الترف: البطر يقال فلان مترف أي أبطرته النعمة وسعة العيش ﴿ مرية ﴾ شك وريب.
سبب النزول: عن ابن مسعود أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني عالجت امرأة في أقصى المدينة، وإني أصبت منها من دون أن أمسها، وأنا هذا فاقض في ما شئت! فقال له عمر: لقد سترك الله لو سترت على نفسك، فلم يرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا، فانطلق الرجل ونزلت هذه الآية ﴿ وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من اليل إن الحسنات يذهبن السيئات ﴾ فأتبعه رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا فدعاه فتلاها عليه.
التفسير: ﴿ ذلك من أنبآء القرى نقصه عليك ﴾ أي ذلك القصص من أخبار القرى التي أهلكنا أهلها بكفرهم وتكذيبهم الرسل، نقصه عليك يا محمد ونخبرك عنه بطريق الوحي ﴿ منها قآئم وحصيد ﴾ أي من هذه القرى ما هو عامر قد هلك أهله وبقي بنيانه، ومنها ما هو خراب قد اندثر بأهله فلم يبق له أثر كالزرع المحصود ﴿ وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم ﴾ أي وما ظلمناهم بإهلاكهم بغير ذنب، ولكن ظلموا أنفسهم بالكفر والمعاصي فاستحقوا عذاب الله ونقمته ﴿ فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء ﴾ أي ما نفعتهم آلهتهم التي عبدوها من دون الله، ولا دفعت عنهم شيئا من عقاب الله وعذابه ﴿ لما جآء أمر ربك ﴾ أي حين جاء قضاء الله بعذابهم ﴿ وما زادوهم غير تتبيب ﴾ أي وما زادتهم تلك الآلهة غير تخسير وتدمير ﴿ وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة ﴾ أي مثل ذلك الأخذ والإهلاك الذي أخذ الله به أهل القرى الظالمين المكذبين، يأخذ تعالى بعذابه الفجرة الظلمة قال الألوسي: وفي الآية من إنذار الظالم ما لا يخفى كما قال عليه السلام
" إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته "
ثم قرأ الأية ﴿ إن أخذه أليم شديد ﴾ أي إن عذابه موجع شديد، وهذا مبالغة في التهديد والوعيد ﴿ إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ﴾ أي إن في هذه القصص والأخبار لعظة وعبرة لمن خاف عذاب الله وعقابه في الآخرة ﴿ ذلك يوم مجموع له الناس ﴾ أي يجتمع فيه الخلائق للحساب والثواب والعقاب ﴿ وذلك يوم مشهود ﴾ أي يشهده أهل السماء والأرض، والأولون والآخرون قال ابن عباس: يشهده البر والفاجر ﴿ وما نؤخره إلا لأجل معدود ﴾ أي ما نؤخر ذلك اليوم - يوم القيامة - إلا لزمن معين سبق به قضاء الله، لا يتقدم ولا يتأخر ﴿ يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه ﴾ أي يوم يأتي ذلك اليوم الرهيب لا يتكلم أحد إلا بإذن الله تعالى ﴿ فمنهم شقي وسعيد ﴾ أي فمن أهل الموقف شقي، ومنهم سعيد كقوله