تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وليس لنا رغبة فيهن ﴿ وإنك لتعلم ما نريد ﴾ أي وأنت تعلم غرضنا وهو إتيان الذكور، صرحوا له بغرضهم الخبيث قبحهم الله ﴿ قال لو أن لي بكم قوة ﴾ أي لو كان لي قوة أستطيع أن أدفع أذاكم بها ﴿ أو آوي إلى ركن شديد ﴾ أي ألجأ إلى عشيرة وأنصار تنصرني عليكم، وجواب " لو " محذوف تقديره لبطشت بكم وفي الحديث

" رحم الله أخي لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد "

يريد صلى الله عليه وسلم أن الله كان ناصره ومؤيده، فهو ركنه الشديد وسنده القوي قال قتادة: وذكر لنا أن الله تعالى لم يبعث نبيا بعد لوط إلا في منعة من عشيرته، وحين سمع رسل الله تعالى تحسر لوط على ضعفه وانقطاعه من الأنصار ﴿ قالوا يلوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك ﴾ أي قالت الملائكة للوط: إنا رسل ربك أرسلنا لإهلاكهم وإنهم لن يصلوا إليك بضرر ولا مكروه ﴿ فأسر بأهلك بقطع من الليل ﴾ أي اخرج بهم بطائفة من الليل قال الطبري: أي اخرج من بين أظهرهم أنت وأهلك ببقية من الليل ﴿ ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك ﴾ أي لا ينظر أحد منكم وراءه إلا امرأتك فإنها ستهلك كما هلكوا، نهوا عن الالتفات لئلا تتفطر أكبادهم على قريتهم قال القرطبي: إن امرأة لوط لما سمعت هدة العذاب التفتت وقالت: واقوماه! فأدركها حجر فقتلها ﴿ إنه مصيبها مآ أصابهم ﴾ أي إنه يصيب امرأتك من العذاب ما أصاب قومك ﴿ إن موعدهم الصبح ﴾ أي موعد عذابهم وهلاكهم الصبح ﴿ أليس الصبح بقريب ﴾ استعجلهم بالعذاب لغيظه على قومه فقالوا له: أليس وقت الصبح قريبا؟ قال المفسرون: إن قوم لوط لما سمعوا بالضيوف هرعوا نحوه، فأغلق بابه وأخذ يجادل قومه عنهم من وراء الباب، فتسوروا الجدار، فلما رأت الملائكة ما بلوط من الكرب قالوا يا لوط: افتح الباب ودعنا وإياهم، ففتح الباب فضربهم جبريل بجناحه فطمس أعينهم وعموا، وانصرفوا على أعقابهم يقولون: النجاء، النجاء كما قال تعالى

ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنآ أعينهم

[القمر: 37] ثم إن لوطا سرى بمن معه قبل الفجر، ولما حان وقت عذابهم أمر الله جبريل فاقتلع مدائن قوم لوط - وهي خمس - من تخوم الأرض حتى أدناها من السماء بما فيها، حتى سمع أهل السماء صراخ الديكة، ونباح الكلاب، ثم أرسلها مقلوبة وأتبعهم الله بالحجارة ولهذا قال تعالى ﴿ فلما جآء أمرنا جعلنا عاليها سافلها ﴾ أي فلما جاء وقت العذاب قلبنا بهم القرى فجعلنا العالي سافلا ﴿ وأمطرنا عليها حجارة من سجيل ﴾ أي أرسلنا على أهل تلك المدن حجارة صلبة شديدة من نار وطين، شبهها بالمطر لكثرتها وشدتها ﴿ منضود ﴾ أي متتابعة، بعضها في إثر بعض ﴿ مسومة عند ربك ﴾ أي معلمة بعلامة قال الربيع: قد كتب على كل حجر اسم من يرمى به قال القرطبي: وقوله ﴿ عند ربك ﴾ دليل على أنها ليست من حجارة الأرض ﴿ وما هي من الظالمين ببعيد ﴾ أي ما هذه القرى المهلكة ببعيدة عن قومك " كفار قريش " فإنهم يمرون عليها في أسفارهم أفلا يعتبرون؟ قال المفسرون: وقد صار موضع تلك المدن بحرا أجاجا يعرف ب " البحر الميت " لأن مياهه لا تغذي شيئا من الحيوان وقد اشتهر باسم " بحيرة لوط " والأرض التي تليها قاحلة لا تنبت شيئا ﴿ وإلى مدين أخاهم شعيبا ﴾ هذه هي القصة السادسة من القصص المذكورة في هذه السورة أي وأرسلنا إلى قبيلة مدين أخاهم شعيبا، وقد كان شعيب من نفس القبيلة ولهذا قال " أخاهم " ﴿ قال يقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ﴾ أي اعبدوا الله وحده فليس لكم رب سواه ﴿ ولا تنقصوا المكيال والميزان ﴾ أي لا تنقصوا الناس حقوقهم في المكيال والميزان، وقد اشتهروا بتطفيف الكيل والوزن ﴿ إني أراكم بخير ﴾ أي إني أراكم في سعة تغنيكم عن نقص الكيل والميزان قال القرطبي: أي في سعة من الرزق، وكثرة من النعم ﴿ وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط ﴾ أي إني أخاف عليكم إن لم تؤمنوا عذاب يوم مهلك، لا يفلت منه أحد، والمراد به عذاب يوم القيامة ﴿ ويقوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ﴾ أي أتموا الكيل والوزن للناس بالعدل ﴿ ولا تبخسوا الناس أشيآءهم ﴾ أي لا تنقصوهم من حقوقهم شيئا ﴿ ولا تعثوا في الأرض مفسدين ﴾ أي ولا تسعوا بالفساد في الأرض، والعثي أشد الفساد ﴿ بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين ﴾ أي ما أبقاه الله لكم من الحلال خير مما تجمعونه من الحرام، إن كنتم مصدقين بوعد الله ووعيده وقال مجاهد: أي طاعة الله خير لكم ﴿ ومآ أنا عليكم بحفيظ ﴾ أي ولست برقيب أحفظ عليكم أعمالكم وأجازيكم بها وإنما أنا ناصح مبلغ، وقد أعذر من أنذر ﴿ قالوا يشعيب أصلوتك تأمرك أن نترك ما يعبد ءاباؤنآ ﴾ لما أمرهم شعيب عليه السلام بعبادة الله تعالى وترك عبادة الأوثان، وبإيفاء الكيل والميزان، ردوا عليه على سبيل السخرية والاستهزاء فقالوا: أصلاتك تدعوك لأن تأمرنا بترك عبادة الأصنام التي عبدها آباؤنا؟ إن هذا لا يصدر عن عاقل ﴿ أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء ﴾ أي وتأمرك بأن نترك تطفيف الكيل والميزان.

صفوة التفاسير · الصفحة ٣١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٣١٦