تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

البلاغة: 1- ﴿ عذاب يوم كبير ﴾ إضافة العذاب إلى اليوم الكبير للتهويل والتفظيع.

2- ﴿ ما يسرون وما يعلنون ﴾ بينهما طباق وكذلك بين ﴿ نعمآء ﴾ و ﴿ ضرآء ﴾ وبين ﴿ نذير وبشير ﴾.

3- ﴿ يئوس كفور ﴾ من صيغ المبالغة أي شديد اليأس كثير الكفران.

4- ﴿ كالأعمى والأصم ﴾ فيه تشبيه مرسل مجمل لوجود أداة التشبيه وحذف وجه الشبه أي مثل الفريق الكافر كالأعمى والأصم في عدم البصر والسمع، ومثل الفريق المؤمن كالسميع والبصير.

لطيفة: قال بعض الصالحين: الاستغفار بلا إقلاع عن الذنب توبة الكذابين.

تنبيه: التحدي بعشر سور جاء بعد التحدي بالقرآن الكريم، فلما عجزوا عن الإتيان بمثل القرآن تحداهم بعشر سور، ثم لما عجزوا تحداهم بالإتيان بسورة مثله في البلاغة والفصاحة والاشتمال على المغيبات والأحكام التشريعية وأمثالها، وهي الأنواع التسعة وقد نظمها بعضهم بقوله:

ألا إنما القرآن تسعة أحرف

سأنبيكها في بيت شعر بلا ملل

حلال، حرام، محكم، متشابه

بشير، نذير، قصة، عظة، مثل

11.25-49

المناسبة: لما ذكر تعالى عناد الكافرين من أهل مكة، وتكذيبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم واتهامهم له بافتراء القرآن، ذكر هنا قصة نوح مع قومه الكافرين لتكون كالعظة والعبرة لمن كذب وعاند، ولتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم بسرد قصص المرسلين وما جرى لهم مع أقوامهم.

اللغة: ﴿ الملأ ﴾ أشراف القوم وسادتهم ﴿ أراذلنا ﴾ الأراذل هنا: المراد بهم الفقراء والضعفاء والسفلة، وهو جمع أرذل بمعنى السافل الذي لا خلاق له ولا يبالي بما يفعل ﴿ فعميت ﴾ عمي عن كذا، وعمي عليه كذا، بمعنى التبس عليه ولم يفهمه، وخفي عليه أمره ﴿ جادلتنا ﴾ الجدل في كلام العرب: المبالغة في الخصومة ﴿ تزدري ﴾ تحتقر ﴿ الفلك ﴾ السفينة ويطلق على المفرد والجمع ﴿ التنور ﴾ مستوقد النار ﴿ مرساها ﴾ رسا الشيء يرسو ثبت واستقر ﴿ عاصم ﴾ مانع يقال: عصمه إذا منعه ومنه الحديث

" فقد عصموا مني دماءهم "

﴿ غيض ﴾ غاض الماء نقص بنفسه وغضته أنقصته ﴿ الجودي ﴾ جبل بقرب الموصل.

التفسير: ﴿ ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه ﴾ أي أرسلناه رسولا إلى قومه بعد أن امتلأت الأرض بشركهم وشرورهم ﴿ إني لكم نذير مبين ﴾ أي بأني منذر لكم ومخوف من عذاب الله إن لم تؤمنوا ﴿ أن لا تعبدوا إلا الله ﴾ أي أرسلناه بدعوة التوحيد وهي عبادة الله وحده ﴿ إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم ﴾ أي إني أخاف عليكم إن عبدتم غيره عذاب يوم شديد مؤلم ﴿ فقال الملأ الذين كفروا من قومه ﴾ أي قال السادة والكبراء من قوم نوح ﴿ ما نراك إلا بشرا مثلنا ﴾ أي ما نراك إلا واحدا مثلنا ولا فضل لك علينا قال الزمخشري: وفيه تعريض بأنهم أحق منه بالنبوة، وأن الله لو أراد أن يجعلها في أحد من البشر لجعلها فيهم ﴿ وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا ﴾ أي وما اتبعك إلا سفلة الناس قال في التسهيل: وإنما وصفوهم بذلك لفقرهم جهلا منهم واعتقادا بأن الشرف هو بالمال والجاه، وليس الأمر كذلك، بل المؤمنون أشرف منهم على فقرهم وخمولهم ﴿ بادي الرأي ﴾ أي في ظاهر الرأي من غير تفكر أو روية ﴿ وما نرى لكم علينا من فضل ﴾ أي وما نرى لك ولأتباعك من مزية وشرف علينا يؤهلكم للنبوة، واستحقاق المتابعة ﴿ بل نظنكم كاذبين ﴾ أي بل نظنكم كاذبين فيما تدعونه، أرادوا أن يحجوا نوحا من وجهين: أحدهما: أن المتبعين له أراذل القوم ليسوا قدوة ولا أسوة، والثاني: أنهم مع ذلك لم يترووا في اتباعه، ولا أمعنوا الفكر في صحة ما جاء به، وإنما بادروا إلى ذلك من غير فكرة ولا روية، وغرضهم ألا تقوم الحجة عليهم بأن منهم من آمن به وصدقه ﴿ قال يقوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ﴾ تلطف معهم في الخطاب لاستمالتهم إلى الإيمان أي قال لهم نوح: أخبروني يا قوم إن كنت على برهان وأمر جلي من ربي بصحة دعواي ﴿ وآتاني رحمة من عنده ﴾ أي ورزقني هداية خاصة من عنده وهي النبوة ﴿ فعميت عليكم ﴾ أي فخفي الأمر عليكم لاحتجابكم بالمادة عن نور الإيمان ﴿ أنلزمكموها وأنتم لها كارهون ﴾ أي أنكرهكم على قبولها ونجبركم على الإهتداء بها والحال أنكم كارهون منكرون لها؟ والاستفهام للإنكار أي لا نفعل ذلك لأنه لا إكراه في الدين ﴿ ويقوم لا أسألكم عليه مالا ﴾ أي لا أسألكم على تبليغ الدعوة أجرا، ولا أطلب على النصيحة مالا حتى تتهموني ﴿ إن أجري إلا على الله ﴾ أي ما أطلب ثوابي إلا من الله فإنه هو الذي يثيبني ويجازيني ﴿ ومآ أنا بطارد الذين آمنوا ﴾ أي ولست بمبعد هؤلاء المؤمنين الضعفاء عن مجلسي، ولا بطاردهم عني كما طلبتم ﴿ إنهم ملاقوا ربهم ﴾ أي إنهم صائرون إلى ربهم، وفائزون بقربه فكيف أطردهم؟ ﴿ ولكني أراكم قوما تجهلون ﴾ أي ولكنكم قوم تجهلون قدرهم فتطلبون طردهم، وتظنون أنكم خير منهم ﴿ ويقوم من ينصرني من الله إن طردتهم ﴾ أي من يدفع عني عقاب الله إن ظلمتهم وطردتهم؟ ﴿ أفلا تذكرون ﴾ أي أفلا تتفكرون فتعلمون خطأ رأيكم وتنزجرون عنه؟ ﴿ ولا أقول لكم عندي خزآئن الله ﴾ أي لا أقول لكم عندي المال الوافر الكثير حتى تتبعوني لغناي ﴿ ولا أعلم الغيب ﴾ أي ولا أقول لكم إني أعلم الغيب حتى تظنوا بي الربوبية ﴿ ولا أقول إني ملك ﴾ أي ولا أقول لكم إني من الملائكة أرسلت إليكم فأكون كاذبا في دعواي ﴿ ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا ﴾ أي ولا أقول لهؤلاء الضعفاء الذين آمنوا بي واحتقرتموهم لفقرهم لن يمنحهم الله الهداية والتوفيق ﴿ الله أعلم بما في أنفسهم ﴾ أي أعلم بسرائرهم وضمائرهم ﴿ إني إذا لمن الظالمين ﴾ أي إني إن قلت ذلك أكون ظالما مستحقا للعقاب ﴿ قالوا ينوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا ﴾ أي قال قوم نوح لنوح عليه السلام: قد خاصمتنا فأكثرت خصومتنا ﴿ فأتنا بما تعدنآ إن كنت من الصادقين ﴾ أي فائتنا بالعذاب الذي كنت تعدنا به إن كنت صادقا في ما تقول ﴿ قال إنما يأتيكم به الله إن شآء ﴾ أي أمر تعجيل العذاب إليه تعالى لا إلي فهو الذي يأتيكم به إن شاء ﴿ ومآ أنتم بمعجزين ﴾ أي ولستم بفائتين الله هربا لأنكم في ملكه وسلطانه ﴿ ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم ﴾ أي ولا ينفعكم تذكيري إياكم ونصحي لكم ﴿ إن كان الله يريد أن يغويكم ﴾ أي إن أراد الله إضلالكم وهو جواب لما تقدم والمعنى ماذا ينفع نصحي لكم إن أراد الله شقاوتكم وإضلالكم؟ ﴿ هو ربكم وإليه ترجعون ﴾ أي هو خالقكم والمتصرف في شئونكم، وإليه مرجعكم ومصيركم فيجازيكم على أعمالكم ﴿ أم يقولون افتراه ﴾ أي أيقول كفار قريش اختلق محمد هذا القرآن من عند نفسه ﴿ قل إن افتريته فعلي إجرامي ﴾ أي قل لهم يا محمد إن كنت قد افتريت هذا القرآن فعلي وزري وذنبي، ولا تؤاخذون أنتم بجريرتي ﴿ وأنا بريء مما تجرمون ﴾ أي وأنا بريء من إجرامكم بكفركم وتكذيبكم، والآية اعتراض بين قصة نوح للإشارة إلى أن موقف مشركي مكة كموقف المشركين من قوم نوح في العناد والتكذيب ﴿ وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن ﴾ أي أوحى الله إلى نوح أنه لن يتبعك ويصدق برسالتك إلا من قد آمن من قبل ﴿ فلا تبتئس بما كانوا يفعلون ﴾ أي فلا تحزن بسبب كفرهم وتكذيبهم لك فإني مهلكهم ﴿ واصنع الفلك بأعيننا ﴾ أي اصنع السفينة تحت نظرنا وبحفظنا ورعايتنا ﴿ ووحينا ﴾ أي وتعليمنا لك قال مجاهد: أي كما نأمرك ﴿ ولا تخاطبني في الذين ظلموا ﴾ أي لا تشفع فيهم فإني مهلكهم لا محالة ﴿ إنهم مغرقون ﴾ أي هالكون غرقا بالطوفان ﴿ ويصنع الفلك ﴾ حكاية حال ماضية لاستحضارها في الذهن أي صنع نوح السفينة كما علمه ربه ﴿ وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه ﴾ أي كلما مر عليه جماعة من كبراء قومه هزءوا منه وضحكوا وقالوا: يا نوح كنت بالأمس نبيا، وأصبحت اليوم نجارا!! ﴿ قال إن تسخروا منا ﴾ أي إن تهزءوا منا اليوم ﴿ فإنا نسخر منكم كما تسخرون ﴾ أي فإنا سنسخر منكم في المستقبل عندما تغرقون مثل سخريتكم منا الآن، فأنتم أولى بالسخرية والاستهزاء ﴿ فسوف تعلمون ﴾ وعيد وتهديد أي سوف تعلمون عاقبة التكذيب والاستهزاء ﴿ من يأتيه عذاب يخزيه ﴾ أي عذاب يذله ويهينه وهو الغرق ﴿ ويحل عليه عذاب مقيم ﴾ أي وينزل عليه عذاب دائم لا ينقطع وهو عذاب جهنم ﴿ حتى إذا جآء أمرنا ﴾ أي جاء أمرنا الموعود بالطوفان ﴿ وفار التنور ﴾ أي فار الماء من التنور الذي يوقد به النار قال العلماء: جعل الله ذلك علامة لنوح وموعدا لهلاك قومه، وقال ابن عباس: التنور وجه الأرض قال الطبري: والعرب تسمي وجه الأرض تنور الأرض، قيل له: إذا رأيت الماء على وجه الأرض فاركب أنت ومن معك في السفينة وقال ابن كثير: التنور وجه الأرض أي صارت الأرض عيونا تفور، حتى فار الماء من التنانير التي هي مكان النار صارت تفور ماء، وهذا قول جمهور السلف والخلف ﴿ قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين ﴾ أي احمل في السفينة من كل صنف من المخلوقات اثنين: ذكرا، وأنثى ﴿ وأهلك إلا من سبق عليه القول ﴾ أي واحمل قرابتك أيضا أولادك ونساءك إلا من حكم الله بهلاكه، والمراد به ابنه الكافر " كنعان " وامرأته " واعلة " ﴿ ومن آمن ﴾ أي واحمل معك من آمن من أتباعك ﴿ ومآ آمن معه إلا قليل ﴾ أي وما آمن بنوح إلا نزر يسير مع طول إقامته بينهم وهي مدة تسعمائة وخمسين سنة، قال ابن عباس: كانوا ثمانين نفسا منهم نساؤهم، وعن كعب: كانوا اثنين وسبعين نفسا، وقيل: كانوا عشرة ﴿ وقال اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرساها ﴾ أي وقال نوح لمن آمن به اركبوا في السفينة، باسم الله يكون جريها على وجه الماء، وباسم الله يكون رسوها واستقرارها قال الطبري: المعنى بسم الله حين تجري وحين ترسي، أي حين تسير وحين تقف ﴿ إن ربي لغفور رحيم ﴾ أي ساتر لذنوب التائبين، رحيم بالمؤمنين حيث نجاهم من الغرق ﴿ وهي تجري بهم في موج كالجبال ﴾ أي والسفينة تسير بهم وسط الأمواج، التي هي كالجبل في العظم والارتفاع، بإذن الله وعنايته ولطفه قال الصاوي: روي أن الله أرسل المطر أربعين يوما وليلة، وخرج الماء من الأرض ينابيع كما قال تعالى

صفوة التفاسير · الصفحة ٣٠٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٣٠٩