تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" بينا أنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار، وأقدام المشركين فوق رءوسنا فقلت يا رسول الله: لو أن أحدهم رفع قدمه لأبصرنا فقال يا أبا بكر: ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ "

وكان سبب حزن أبي بكر خوفه على رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهاه الرسول تسكينا لقلبه ﴿ فأنزل الله سكينته عليه ﴾ أي أنزل الله السكون والطمأنينة على رسوله ﴿ وأيده بجنود لم تروها ﴾ أي قواه بجنود من عنده من الملائكة يحرسونه في الغار لم تروها أنتم ﴿ وجعل كلمة الذين كفروا السفلى ﴾ أي جعل كلمة الشرك سافلة دنيئة حقيرة، أذل بها الشرك والمشركين ﴿ وكلمة الله هي العليا ﴾ أي وكلمة التوحيد " لا إله إلا الله " هي الغالبة الظاهرة، أعز الله بها المسلمين، وأذل الشرك والمشركين ﴿ والله عزيز حكيم ﴾ أي قاهر غالب لا يغلب، لا يفعل إلا ما فيه الحكمة والمصلحة ﴿ انفروا خفافا وثقالا ﴾ أي اخرجوا للقتال يا معشر المؤمنين شيبا وشبانا، مشاة وركبانا، في جميع الظروف والأحوال، في اليسر والعسر، والمنشط والمكره ﴿ وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ﴾ أي جاهدوا بالأموال والأنفس لإعلاء كلمة الله ﴿ ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ﴾ أي هذا النفير والجهاد خير من التثاقل إلى الأرض والخلود إليها والرضا بالقليل من متاع الحياة الدنيا إن كنتم تعلمون ذلك قال في البحر: والخيرية في الدنيا بغلبة العدو ووراثة الأرض، وفي الآخرة بالثواب العظيم ورضوان الله، ثم ذكر تعالى أحوال المخلفين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، وموقف المثبطين المنافقين منهم فقال ﴿ لو كان عرضا قريبا ﴾ أي لو كان ما دعوا إليه غنما قريبا سهل المنال ﴿ وسفرا قاصدا ﴾ أي وسفرا وسطا ليس ببعيد ﴿ لاتبعوك ﴾ أي لخرجوا معك لا لوجه الله بل طمعا في الغنيمة ﴿ ولكن بعدت عليهم الشقة ﴾ أي ولكن بعدت عليهم الطريق والمسافة الشاقة ولذلك اعتذروا عن الخروج لما في قلوبهم من النفاق ﴿ وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم ﴾ أي وسيحلفون لكم معتذرين بأعذار كاذبة لو قدرنا على الخروج معكم لما تأخرنا، ولو كان لنا سعة في المال او قوة في الأبدان لخرجنا للجهاد معكم، قال تعالى ردا عليهم وتكذيبا لهم ﴿ يهلكون أنفسهم ﴾ أي يوقعون أنفسهم في الهلاك بأيمانهم الكاذبة ﴿ والله يعلم إنهم لكاذبون ﴾ أي لكاذبون في دعواهم حيث كانوا مستطيعين للخروج ولم يخرجوا ﴿ عفا الله عنك لم أذنت لهم ﴾ تلطف في عتاب الرسول صلى الله عليه وسلم حيث قدم العفو على العتاب إكراما له عليه السلام والمعنى سامحك الله يا محمد لم أذنت لهؤلاء المنافقين في التخلف عن الخروج معك بمجرد الاعتذار!! ﴿ حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين ﴾ أي وهلا تركتهم حتى يظهر لك الصادق منهم في عذره من الكاذب المنافق قال مجاهد: نزلت في المنافقين قال أناس منهم استأذنوا رسول الله، فإن أذن لكم فاقعدوا، وإن لم يأذن لكم فاقعدوا، فقد كانوا مصرين على القعود عن الغزو وإن لم يأذن لهم، ولهذا أخبر تعالى أنه لا يستأذنه أهل الإيمان فقال ﴿ لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر ﴾ أي لا يستأذنك يا محمد عن الجهاد والغزو من يؤمن بالله واليوم الآخر ﴿ أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ﴾ أي كراهية الجهاد بالمال والنفس لأنهم يعلمون ما أعده الله للمجاهدين الأبرار من الأجر الجزيل فكيف يتخلفون عنه؟ ﴿ والله عليم بالمتقين ﴾ أي عليم بهم لأنهم مخلصون في الإيمان متقون للرحمن ﴿ إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ﴾ أي إنما يستأذنك يا محمد المنافقون الذين لم يثبت الإيمان في قلوبهم ﴿ وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون ﴾ أي شكت قلوبهم في الله وثوابه فهم يترددون حيارى لا يدرون ما يصنعون.

البلاغة: 1- ﴿ يحلونه عاما ويحرمونه عاما ﴾ بين يحلون ويحرمون طباق وهو من المحسنات البديعية.

صفوة التفاسير · الصفحة ٢٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٢٧٦