" ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله إلا جعل له يوم القيامة صفائح من نار، فيكون بها جنبه وجبهته وظهره في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضي بين العباد، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار "
﴿ إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا ﴾ أي إن عدد الشهور المعتد بها عند الله في شرعه وحكمه هي اثنا عشر شهرا على منازل القمر، فالمعتبر به الشهور القمرية إذ عليها يدور فلك الأحكام الشرعية ﴿ في كتاب الله ﴾ أي في اللوح المحفوظ ﴿ يوم خلق السموت والأرض ﴾ قال ابن عباس: كتبه يوم خلق السماوات والأرض في الكتاب الإمام الذي عند الله ﴿ منهآ أربعة حرم ﴾ أي منها أربعة شهور محرمة هي: " ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب " وسميت حرما لأنها معظمة محترمة تتضاعف فيها الطاعات ويحرم القتال فيها ﴿ ذلك الدين القيم ﴾ أي ذلك الشرع المستقيم ﴿ فلا تظلموا فيهن أنفسكم ﴾ أي لا تظلموا في هذه الأشهر المحرمة أنفسكم بهتك حرمتهن وارتكاب ما حرم الله من المعاصي والآثام ﴿ وقاتلوا المشركين كآفة كما يقاتلونكم كآفة ﴾ أي قاتلوهم جميعا مجتمعين غير متفرقين كما يقاتلكم المشركون جميعا ﴿ واعلموا أن الله مع المتقين ﴾ أي معهم بالنصرة والتأييد، وهو بشارة وضمان لأهل التقوى ﴿ إنما النسيء زيادة في الكفر ﴾ أي إنما تأخير حرمة شهر لشهر آخر زيادة في الكفر لأنه تحريم ما أحله الله وتحليل ما حرمه فهو كفر آخر مضموم إلى كفرهم قال المفسرون: كان العرب أهل حروب وغارات، وكان القتال محرما عليهم في الأشهر الحرم، فإذا جاء الشهر الحرام وهم محاربون شق عليهم ترك المحاربة، فيحلونه ويحرمون مكانه شهرا آخر، كأنهم يستقرضون حرمة شهر لشهر غيره، فربما أحلوا المحرم وحرموا صفر حتى يكمل في العام أربعة أشهر محرمة ﴿ يضل به الذين كفروا ﴾ أي يضل بسببه الكافرين ضلالا على ضلالهم ﴿ يحلونه عاما ويحرمونه عاما ﴾ أي يحلون المحرم عاما والشهر الحلال عاما فيجعلون هذا مكان هذا والعكس ﴿ ليواطئوا عدة ما حرم الله ﴾ أي ليوافقوا عدة الأشهر الحرم الأربعة ﴿ فيحلوا ما حرم الله ﴾ أي فيستحلوا بذلك ما حرمه الله قال مجاهد: كان رجل من بني كنانة يأتي كل عام إلى الموسم على حمار له، فيقول أيها الناس: إني لا أعاب ولا أجاب، ولا مرد لما أقول، إنا قد حرمنا المحرم، وأخرنا صفر، ثم يجيء العام المقبل ويقول: إنا قد حرمنا صفر وأخرنا المحرم فذلك قوله تعالى ﴿ ليواطئوا عدة ما حرم الله ﴾ ﴿ زين لهم سوء أعمالهم ﴾ أي زين الشيطان لهم أعمالهم القبيحة حتى حسبوها حسنة ﴿ والله لا يهدي القوم الكافرين ﴾ أي لا يرشدهم إلى طريق السعادة ﴿ يأيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض ﴾ استفهام للتقريع والتوبيخ، وهو توبيخ على ترك الجهاد وعتاب لمن تخلف عن غزوة تبوك والمعنى: ما لكم أيها المؤمنون إذا قيل لكم اخرجوا لجهاد أعداء الله تباطأتم وتثاقلتم، وملتم إلى الدنيا وشهواتها وكرهتم مشاق السفر ومتاعبه؟! ﴿ أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة ﴾ أي أرضيتم بنعيم الدنيا ومتاعها الفاني بدل نعيم الآخرة وثوابها الباقي؟ ﴿ فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل ﴾ أي فما التمتع بلذائذ الدنيا في جنب الآخرة إلا شيء مستحقر قليل لا قيمة له، ثم توعدهم على ترك الجهاد فقال ﴿ إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ﴾ أي إن لا تخرجوا إلى الجهاد مع رسول الله يعذبكم الله عذابا أليما موجعا، باستيلاء العدو عليكم في الدنيا، وبالنار المحرقة في الآخرة وقال ابن عباس: هو حبس المطر عنهم ﴿ ويستبدل قوما غيركم ﴾ أي يهلككم ويستبدل قوما آخرين خيرا منكم، يكونون أسرع استجابة لرسوله وأطوع ﴿ ولا تضروه شيئا ﴾ ولا تضروا الله شيئا بتثاقلكم عن الجهاد فإنه سبحانه غني عن العالمين ﴿ والله على كل شيء قدير ﴾ أي قادر على كل ما يشاء ومنه الانتصار على الأعداء بدونكم قال الرازي: وهو تنبيه على شدة الزجر من حيث إنه تعالى قادر لا يجوز عليه العجز، فإذا توعد بالعقاب فعل ﴿ إلا تنصروه فقد نصره الله ﴾ أي إن لا تنصروا رسوله فإن الله ناصره وحافظه وجواب الشرط محذوف تقديره: فسينصره الله دل عليه قوله ﴿ فقد نصره الله ﴾ والمعنى: إن لم تنصروه أنتم فسينصره الله الذي نصره حين كان ثاني اثنين، حيث لم يكن معه أنصار ولا أعوان ﴿ إذ أخرجه الذين كفروا ﴾ أي حين خروجه من مكة مهاجرا إلى المدينة، وأسند إخراجه إلى الكفار لأنهم ألجئوه إلى الخروج وتآمروا على قتله حتى اضطر إلى الهجرة ﴿ ثاني اثنين ﴾ أي أحد اثنين لا ثالث لهما هو أبو بكر الصديق ﴿ إذ هما في الغار ﴾ أي حين كان هو والصديق مختبئين في النقب في جبل ثور ﴿ إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا ﴾ أي حين يقول لصاحبه وهو أبو بكر الصديق تطمينا وتطييبا: لا تخف فالله معنا بالمعونة والنصر، روى الطبري عن أنس أن أبا بكر رضي الله عنه قال