تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

9.46-60

المناسبة: لما ذكر تعالى المنافقين وتباطؤهم عن الخروج للجهاد، ذكر هنا بعض أعمالهم القبيحة من الكيد، والمكر، وإثارة الفتن بين المسلمين، والفرح بأذاهم. وذكر تعالى أنهم لو خرجوا مع المؤمنين ما زادوا الجيش إلا ضعفا واندحارا بتفريق الجماعة وتشتيت الكلمة، وذكر كثيرا من مثالبهم وجرائمهم الشنيعة.

اللغة: ﴿ انبعاثهم ﴾ الانبعاث: الانطلاق في الأمر ﴿ فثبطهم ﴾ التثبيط: رد الإنسان عن الفعل الذي هم به ﴿ خبالا ﴾ الخبال: الشر والفساد في كل شيء ومنه المخبول للمعتوه الذي فسد عقله ﴿ ولأوضعوا ﴾ الإيضاع: سرعة السير قال الراجز:

يا ليتني فيها جذع

أخب فيها وأضع

يقال: وضع البعير إذا أسرع السير، وأوضع الرجل إذا سار بنفسه سيرا حثيثا ﴿ يجمحون ﴾ جمح: نفر بإسراع من قولهم فرس جموح أي لا يرده اللجام ﴿ يلمزك ﴾ اللمز: العيب يقال: لمزه إذا عابه قال الجوهري: وأصله الإشارة بالعين ونحوها ورجل لماز أي عياب ﴿ الغارمين ﴾ الغارم: المديون قال الزجاج: أصل الغرم لزوم ما يشق، والغرام العذاب اللازم الشاق وسمي العشق غراما لكونه أمرا شاقا ولازما، وسمي الدين غراما لكونه شاقا على الإنسان.

سبب النزول:

" لما أراد صلى الله عليه وسلم الخروج إلى تبوك قال " للجد بن قيس " - وكان منافقا - يا أبا وهب: هل لك في جلاد بني الأصفر - يعني الروم - تتخذ منهم سراري ووصفاء؟ فقال يا رسول الله: لقد عرف قومي أني مغرم بالنساء، وإني أخشى إن رأيت بني الأصفر ألا أصبر عنهن فلا تفتني وأذن لي في القعود وأعينك بمالي، فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: قد أذنت لك فأنزل الله ﴿ ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ﴾ "

الآية.

التفسير: ﴿ ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ﴾ أي ولو أراد هؤلاء المنافقون الخروج معك للجهاد أو كانت لهم نية في الغزو لاستعدوا له بالسلاح والزاد، فتركهم الاستعداد دليل على إرادتهم التخلف ﴿ ولكن كره الله انبعاثهم ﴾ أي ولكن كره الله خروجهم معك ﴿ فثبطهم ﴾ أي كسر عزمهم وجعل في قلوبهم الكسل ﴿ وقيل اقعدوا مع القاعدين ﴾ أي اجلسوا مع المخلفين من النساء والصبيان وأهل الأعذار، وهو ذم لهم لإيثارهم القعود على الخروج للجهاد، والآية تسلية له صلى الله عليه وسلم على عدم خروج المنافقين معه إذ لا فائدة فيه ولا مصلحة بل فيه الأذى والمضرة ولهذا قال ﴿ لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ﴾ أي لو خرجوا معكم ما زادوكم إلا شرا وفسادا ﴿ ولأوضعوا خلالكم ﴾ أي أسرعوا بينكم بالمشي بالنميمة ﴿ يبغونكم الفتنة ﴾ أي يطلبون لكم الفتنة بإلقاء العداوة بينكم ﴿ وفيكم سماعون لهم ﴾ أي وفيكم ضعفاء قلوب يصغون إلى قولهم ويطيعونهم ﴿ والله عليم بالظالمين ﴾ أي عالم بالمنافقين علما محيطا بضمائرهم وظواهرهم ﴿ لقد ابتغوا الفتنة من قبل ﴾ أي طلبوا لك الشر بتشتيت شملك وتفريق صحبك عنك من قبل غزوة تبوك كما فعل ابن سلول حين انصرف بأصحابه يوم أحد ﴿ وقلبوا لك الأمور ﴾ أي دبروا لك المكايد والحيل وأداروا الآراء في إبطال دينك ﴿ حتى جآء الحق وظهر أمر الله ﴾ أي حتى جاء نصر الله وظهر دينه وعلا على سائر الأديان ﴿ وهم كارهون ﴾ أي والحال أنهم كارهون لذلك لنفاقهم ﴿ ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ﴾ أي ومن هؤلاء المنافقين من يقول لك يا محمد ائذن لي في القعود ولا تفتني بسبب الأمر بالخروج قال ابن عباس: نزلت في " الجد ابن قيس " حين دعاه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى جلاد بني الأصفر، فقال يا رسول الله: ائذن لي في القعود عن الجهاد ولا تفتني بالنساء ﴿ ألا في الفتنة سقطوا ﴾ أي ألا إنهم قد سقطوا في عين الفتنة فيما أرادوا الفرار منه، بل فيما هو أعظم وهي فتنة التخلف عن الجهاد وظهور كفرهم ونفاقهم قال أبو السعود: وفي التعبير عن الافتتان بالسقوط في الفتنة تنزيل لها منزلة المهواة المهلكة، المفصحة عن ترديهم في دركات الردى أسفل سافلين ﴿ وإن جهنم لمحيطة بالكافرين ﴾ أي لا مفر لهم منها لأنها محيطة بهم من كل جانب إحاطة السوار بالمعصم، وفيه وعيد شديد ﴿ إن تصبك حسنة تسؤهم ﴾ أي إن تصبك في بعض الغزوات حسنة، سواء كانت ظفرا أو غنيمة، يسؤهم ذلك ﴿ وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ﴾ أي وإن تصبك مصيبة من نكبة وشدة، أو هزيمة ومكروه يفرحوا به ويقولوا: قد احتطنا لأنفسنا وأخذنا بالحذر والتيقظ فلم نخرج للقتال من قبل أن يحل بنا البلاء ﴿ ويتولوا وهم فرحون ﴾ أي وينصرفوا عن مجتمعهم وهم فرحون مسرورون ﴿ قل لن يصيبنآ إلا ما كتب الله لنا ﴾ أي لن يصيبنا خير ولا شر، ولا خوف ولا رجاء، ولا شدة ولا رخاء، إلا وهو مقدر علينا مكتوب عند الله ﴿ هو مولانا ﴾ أي ناصرنا وحافظنا ﴿ وعلى الله فليتوكل المؤمنون ﴾ أي ليفوض المؤمنون أمورهم إلى الله، ولا يعتمدوا على أحد سواه ﴿ قل هل تربصون بنآ إلا إحدى الحسنيين ﴾ أي قل لهم هل تنتظرون بنا يا معشر المنافقين إلا إحدى العاقبتين الحميدتين: إما النصر، وإما الشهادة، وكل واحدة منهما شيء حسن!! ﴿ ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا ﴾ أي ونحن ننتظر لكم أسوأ العاقبتين الوخيمتين: أن يهلككم الله بعذاب من عنده يستأصل به شأفتكم، أو يقتلكم بأيدينا ﴿ فتربصوا إنا معكم متربصون ﴾ أي انتظروا ما يحل بنا ونحن ننتظر ما يحل بكم، وهو أمر يتضمن التهديد والوعيد ﴿ قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم ﴾ أي قل لهم انفقوا يا معشر المنافقين طائعين أو مكرهين، فمهما أنفقتم الأموال فلن يتقبل الله منكم قال الطبري: وهو أمر معناه الخبر كقوله

صفوة التفاسير · الصفحة ٢٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٢٧٨