تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

9.111-129

المناسبة: لما ذكر تعالى أحوال المنافقين، المتخلفين عن الجهاد، المثبطين عنه، ذكر صفات المؤمنين المجاهدين، الذين باعوا أنفسهم لله.. ثم ذكر قصة الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك وتوبة الله عليهم، وختم السورة بتذكير المؤمنين بالنعمة العظمى، ببعثة السراج المنير، النبي العربي، الذي أرسله الله رحمة للعالمين.

اللغة: ﴿ أواه ﴾ كثير التأوه ومعناه الخاشع المتضرع، يقال: تأوه الرجل تأوها إذا توجع قال الشاعر:

إذا ما قمت أرحلها بليل

تأوه آهة الرجل الحزين

﴿ حليم ﴾ الحليم: الكثير الحلم وهو الذي يصفح عن الذنب ويصبر على الأذى ﴿ العسرة ﴾ الشدة وصعوبة الأمر وتسمى غزوة تبوك " غزوة العسرة " لما فيها من المشقة والشدة ﴿ يزيغ ﴾ الزيغ: الميل: يقال زاغ قلبه إذا مال عن الهدى والإيمان ﴿ ظمأ ﴾ الظمأ: شدة العطش ﴿ نصب ﴾ النصب: الإعياء والتعب ﴿ مخمصة ﴾ مجاعة شديدة يظهر بها ضمور البطن ﴿ ينالون ﴾ يصيبون، نال الشيء إذا أدركه وأصابه ﴿ غلظة ﴾ شدة وقوة وحمية ﴿ عزيز ﴾ صعب وشاق ﴿ عنتم ﴾ العنت: الشدة والمشقة.

سبب النزول: أ -

" لما بايع الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة - وكانوا سبعين رجلا - قال عبد الله بن رواحة يا رسول الله: اشترط لربك ولنفسك ما شئت، فقال: اشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، واشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم، قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال: الجنة، قالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل فنزلت ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم.. ﴾ "

الآية.

ب -

" لما حضرت أبا طالب الوفاة، دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل، وعبد الله بن أبي أمية، فقال: أي عم قل " لا إله إلا الله " كلمة أشهد لك بها عند الله، فقال أبو جهل وابن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعيد له تلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول " لا إله إلا الله " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك فأنزل الله عز وجل ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين.. ﴾ "

ونزلت

إنك لا تهدي من أحببت

[القصص: 56].

التفسير: ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ﴾ أي اشترى أموال المؤمنين وأنفسهم بالجنة وهو تمثيل في ذروة البلاغة والبيان لأجر المجاهدين، مثل تعالى جزاءهم بالجنة على بذلهم الأموال والأنفس في سبيله بصورة عقد فيه بيع وشراء قال الحسن: بايعهم فأغلى لهم الثمن وانظروا إلى كرم الله، أنفسا هو خلقها، وأموالا هو رزقها، ثم وهبها لهم، ثم اشتراها منهم بهذا الثمن الغالي فإنها لصفقة رابحة وقال بعضهم: ناهيك عن بيع البائع فيه المؤمن، والمشتري فيه رب العزة والثمن فيه الجنة، والصك فيه الكتب السماوية، والواسطة فيه محمد عليه الصلاة والسلام ﴿ يقاتلون في سبيل الله ﴾ أي يجاهدون لإعزاز دين الله وإعلاء كلمته ﴿ فيقتلون ويقتلون ﴾ أي في حالتي الظفر بالأعداء بقتلهم، أو الاستشهاد في المعركة بموتهم ﴿ وعدا عليه حقا ﴾ أي وعدهم به المولى وعدا قاطعا ﴿ في التوراة والإنجيل والقرآن ﴾ أي وعدا مثبتا في الكتب المقدسة " التوراة، والإنجيل، والقرآن " ﴿ ومن أوفى بعهده من الله ﴾ الاستفهام إنكاري بمعنى النفي أي لا أحد أوفى من الله جل وعلا قال الزمخشري: لأن إخلاف الميعاد قبيح لا يقدم عليه الكرام من الخلق، فكيف بالغني الذي لا يجوز عليه القبيح؟ ولا ترى ترغيبا في الجهاد أحسن منه وأبلغ ﴿ فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به ﴾ أي أبشروا بذلك البيع الرابح وافرحوا به غاية الفرح ﴿ وذلك هو الفوز العظيم ﴾ هو الفوز الذي لا فوز أعظم منه ﴿ التائبون العابدون الحامدون ﴾ كلام مستأنف قال الزجاج: مبتدأ خبره محذوف أي التائبون العابدون من أهل الجنة أيضا وإن لم يجاهدوا كقوله

صفوة التفاسير · الصفحة ٢٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٢٨٩