تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

9.23-33

المناسبة: لما ذكر تعالى قبائح المشركين، وأثنى على المهاجرين المؤمنين الذين هجروا الديار والأوطان حبا في الله ورسوله، حذر هنا من ولاية الكافرين وذكر أن الانقطاع عن الآباء والأقارب واجب بسبب الكفر، ثم استطرد إلى تذكير المؤمنين بنصرهم في مواطن كثيرة ليعتزوا بدينهم، ثم عاد إلى الحديث عن قبائح أهل الكتاب للتحذير من موالاتهم، وأنهم كالمشركين يسعون لإطفاء نور الله.

اللغة: ﴿ أوليآء ﴾ جمع ولي: وهو الناصر والمعين الذي يتولى شئون الغير وينصره ويقويه ﴿ وعشيرتكم ﴾ العشيرة: الجماعة التي يعتز ويحتمي بها الإنسان قال الواحدي: عشيرة الرجل أهله الأدنون وهو من العشرة أي الصحبة لأنها من شأن القربى ﴿ كسادها ﴾ كسد الشيء كسادا وكسودا إذا بار ولم يكن له تفاق ﴿ عيلة ﴾ فقرا يقال: عال الرجل يعيل إذا افتقر قال الشاعر:

وما يدري الفقير متى غناه

وما يدري الغني متى يعيل

﴿ الجزية ﴾ ما أخذ من أهل الذمة سميت جزية لأنهم أعطوها جزاء ما منحوا من الأمن ﴿ يضاهئون ﴾ يشابهون والمضاهاة المماثلة والمحاكاة ﴿ يؤفكون ﴾ يصرفون عن الحق والإفك الصرف يقال: أفك الرجل أي قلب وصرف.

سبب النزول: قال الكلبي: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجرة الى المدينة، جعل الرجل يقول لأبيه وأخيه وامرأته: لقد أمرنا بالهجرة، فمنهم من يسرع إلى ذلك ويعجبه، ومنهم من تتعلق به زوجته وولده فيقولون: نشدناك الله إن تدعنا من غير شيء فنضيع، فيرق فيجلس معهم ويدع الهجرة فنزلت الآية تعاتبهم ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا آبآءكم وإخوانكم أوليآء.. ﴾ الآية.

التفسير: ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا آبآءكم وإخوانكم أوليآء ﴾ النداء بلفظ الإيمان للتكريم ولتحريك الهمة للمسارعة إلى امتثال أوامر الله قال ابن مسعود: " إذا سمعت الله تعالى يقول: يا أيها الذين آمنوا فأرعها سمعك، فإنه خير تؤمر به، أو شر تنهى عنه " والمعنى: لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم الكافرين أنصارا وأعوانا تودونهم وتحبونهم ﴿ إن استحبوا الكفر على الإيمان ﴾ أي إن فضلوا الكفر واختاروه على الإيمان وأصروا عليه إصرارا ﴿ ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون ﴾ قال ابن عباس: هو مشرك مثلهم، لأن من رضي بالشرك فهو مشرك ﴿ قل إن كان آباؤكم وأبنآؤكم وإخوانكم وأزواجكم ﴾ أي إن كان هؤلاء الأقارب من الآباء، والأبناء، والإخوان، والزوجات ومن سواهم ﴿ وعشيرتكم ﴾ أي جماعتكم التي تستنصرون بهم ﴿ وأموال اقترفتموها ﴾ أي وأموالكم التي اكتسبتموها ﴿ وتجارة تخشون كسادها ﴾ أي تخافون عدم نفاقها ﴿ ومساكن ترضونهآ ﴾ أي منازل تعجبكم الإقامة فيها ﴿ أحب إليكم من الله ورسوله ﴾ هذا هو جواب كان أي إن كانت هذه الأشياء المذكورة أحب إليكم من الهجرة إلى الله ورسوله ﴿ وجهاد في سبيله ﴾ أي وأحب إليكم من الجهاد لنصرة دين الله ﴿ فتربصوا ﴾ أي انتظروا وهو وعيد شديد وتهديد ﴿ حتى يأتي الله بأمره ﴾ أي بعقوبته العاجلة أو الآجلة ﴿ والله لا يهدي القوم الفاسقين ﴾ أي لا يهدي الخارجين عن طاعته إلى طريق السعادة، وهذا وعيد لمن آثر أهله، أو ماله، أو وطنه، على الهجرة والجهاد، ثم ذكرهم تعالى بالنصر على الأعداء في مواطن اللقاء فقال ﴿ لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ﴾ أي نصركم في مشاهد كثيرة، وحروب عديدة ﴿ ويوم حنين ﴾ أي ونصركم أيضا يوم حنين بعد الهزيمة التي منيتم بها بسبب اغتراركم بالكثرة ﴿ إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا ﴾ أي حين أعجبكم كثرة عددكم فقلتم: لن نغلب اليوم من قلة، وكنتم اثني عشر ألفا وأعداؤكم أربعة آلاف، فلم تنفعكم الكثرة ولم تدفع عنكم شيئا ﴿ وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ﴾ أي وضاقت الأرض على رحبها وكثرة اتساعها بكم من شدة الخوف ﴿ ثم وليتم مدبرين ﴾ أي وليتم على أدباركم منهزمين قال الطبري: يخبرهم تبارك وتعالى أن النصر بيده ومن عنده، وأنه ليس بكثرة العدد، وأنه ينصر القليل على الكثير إذا شاء، ويخلي القليل فيهزم الكثير، قيل للبراء بن عازب: أفررتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين؟ فقال البراء: أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفر، ولقد رأيته على بغلته البيضاء - وأبو سفيان آخذ بلجامها يقودها - فلما غشيه المشركون نزل فجعل يقول:

صفوة التفاسير · الصفحة ٢٧١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٢٧١