تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" لو نزل العذاب لما نجا منه غير عمر "

﴿ فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا ﴾ أي كلوا يا معشر المجاهدين مما أصبتموه من أعدائكم من الغنائم في الحرب حال كونه حلالا أي محللا لكم ﴿ طيبا ﴾ أي من أطيب المكاسب لأنه ثمرة جهادكم، وفي الصحيح

" وجعل رزقي تحت ظل رمحي "

﴿ واتقوا الله ﴾ أي خافوا الله في مخالفة أمره ونهيه ﴿ إن الله غفور رحيم ﴾ أي مبالغ في المغفرة لمن تاب، رحيم بعباده حيث أباح لهم الغنائم ﴿ يأيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى ﴾ أي قل لهؤلاء الذين وقعوا في الأسر من الأعداء، والمراد بهم أسرى بدر ﴿ إن يعلم الله في قلوبكم خيرا ﴾ أي إن يعلم الله في قلوبكم إيمانا وإخلاصا، وصدقا في دعوى الإيمان ﴿ يؤتكم خيرا ممآ أخذ منكم ﴾ أي يعطكم أفضل مما أخذ منكم من الفداء ﴿ ويغفر لكم ﴾ أي يمحو عنكم ما سلف من الذنوب ﴿ والله غفور رحيم ﴾ أي واسع المغفرة، عظيم الرحمة لمن تاب وأناب قال البيضاوي: نزلت في العباس رضي الله عنه حين كلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفدي نفسه وابني أخويه " عقيل " و " نوفل " فقال يا محمد: تركتني أتكفف قريشا ما بقيت، فقال: أين الذهب الذي دفعته إلى أم الفضل وقت خروجك وقلت لها: إني لا أدري ما يصيبني في جهتي هذه، فإن حدث بي حدث فهو لك ولعيالك!! فقال العباس: ما يدريك؟ قال: أخبرني به ربي تعالى، قال: فأشهد أنك صادق، وأن لا إله إلا الله وأنك رسوله، والله لم يطلع عليه أحد، ولقد دفعته إليها في سواد الليل!! قال العباس: فأبدلني الله خيرا من ذلك، وأعطاني زمزم ما أحب أن لي بها جميع أموال مكة، وأنا أنتظر المغفرة من ربي - يعني الموعود - بقوله تعالى ﴿ ويغفر لكم ﴾ ﴿ وإن يريدوا خيانتك ﴾ وإن كان هؤلاء الأسرى يريدون خيانتك يا محمد بما أظهروا من القول ودعوى الإيمان ﴿ فقد خانوا الله من قبل ﴾ أي فقد خانوا الله تعالى قبل هذه الغزوة غزوة بدر ﴿ فأمكن منهم ﴾ أي فقواك ونصرك الله عليهم وجعلك تتمكن من رقابهم، فإن عادوا إلى الخيانة فسيمكنك منهم أيضا ﴿ والله عليم حكيم ﴾ أي عالم بجميع ما يجري، يفعل ما تقضي به حكمته البالغة ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ أي صدقوا الله ورسوله ﴿ وهاجروا ﴾ أي تركوا وهجروا الديار والأوطان حبا في الله ورسوله ﴿ وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ﴾ أي جاهدوا الأعداء بالأموال والأنفس لإعزاز دين الله، وهم المهاجرون ﴿ والذين آووا ونصروا ﴾ أي آووا المهاجرين في ديارهم ونصروا رسول الله وهم الأنصار ﴿ أولئك بعضهم أوليآء بعض ﴾ أي أولئك الموصوفون بالصفات الفاضلة بعضهم أولياء بعض في النصرة والإرث، ولهذا أخى صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار ﴿ والذين آمنوا ولم يهاجروا ﴾ أي آمنوا وأقاموا بمكة فلم يهاجروا إلى المدينة ﴿ ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا ﴾ أي لا إرث بينكم وبينهم ولا ولاية حتى يهاجروا من بلد الكفر ﴿ وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر ﴾ أي وإن طلبوا منكم النصرة لأجل إعزاز الدين، فعليكم أن تنصروهم على أعدائهم لأنهم إخوانكم ﴿ إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق ﴾ أي إلا إذا استنصروكم على من بينكم وبينهم عهد ومهادنة فلا تعينوهم عليهم ﴿ والله بما تعملون بصير ﴾ أي رقيب على أعمالكم فلا تخالفوا أمره.

ذكر تعالى المؤمنين وقسمهم إلى ثلاثة أقسام: المهاجرين، الأنصار، الذين لم يهاجروا، فبدأ بالمهاجرين لأنهم أصل الإسلام وقد هجروا الديار والأوطان ابتغاء رضوان الله، وثنى بالأنصار لأنهم نصروا الله ورسوله وجاهدوا بالنفس والمال، وجعل بين المهاجرين والأنصار الولاية والنصرة، ثم ذكر حكم المؤمنين الذين لم يهاجروا وبين أنهم حرموا الولاية حتى يهاجروا في سبيل الله، وبعد ذكر هذه الأقسام الثلاثة ذكر حكم الكفار فقال ﴿ والذين كفروا بعضهم أوليآء بعض ﴾ أي هم في الكفر والضلال ملة واحدة فلا يتولاهم إلا من كان منهم ﴿ إلا تفعلوه ﴾ أي وإن لم تفعلوا ما أمرتم به من تولي المؤمنين وقطع الكفار ﴿ تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ﴾ أي تحصل في الأرض فتنة عظيمة ومفسدة كبيرة، لأنه يترتب على ذلك قوة الكفار وضعف المسلمين، ثم عاد بالذكر والثناء على المهاجرين والأنصار فقال ﴿ والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله ﴾ وهم المهاجرون أصحاب السبق إلى الإسلام ﴿ والذين آووا ونصروا ﴾ وهم الأنصار أصحاب الإيواء والإيثار ﴿ أولئك هم المؤمنون حقا ﴾ أي هؤلاء هم الكاملون في الإيمان، المتحققون في مراتب الإحسان ﴿ لهم مغفرة ورزق كريم ﴾ أي لهم مغفرة لذنوبهم، ورزق كريم في جنات النعيم قال المفسرون: ليس في هذه الآيات تكرار، فالآيات السابقة تضمنت الولاية والنصرة بين المؤمنين، وهذه تضمنت الثناء والتشريف، ومآل حال أولئك الأبرار من المغفرة والرزق الكريم في دار النعيم ﴿ والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم ﴾ هذا قسم رابع وهم المؤمنون الذين هاجروا بعد الهجرة الأولى فحكمهم حكم المؤمنين السابقين في الثواب والأجر ﴿ وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ﴾ أي أصحاب القرابات بعضهم أحق بإرث بعض من الأجانب في حكم الله وشرعه قال العلماء: هذه ناسخة للإرث بالحلف والإخاء ﴿ إن الله بكل شيء عليم ﴾ أي أحاط بكل شيء علما، فكل ما شرعه الله حكمة وصواب وصلاح، لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وهو ختم للسورة في غاية البراعة.

صفوة التفاسير · الصفحة ٢٦٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٢٦٧