. ثم بعد الحض والحث أمرهم بقتالهم صراحة فقال ﴿ قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ﴾ أي قاتلوهم يا معشر المؤمنين فقتالكم لهم عذاب بأيدي أولياء الله وجهاد لمن قاتلهم ﴿ ويخزهم ﴾ أي يذلهم بالأسر والقهر ﴿ وينصركم عليهم ﴾ أي يمنحكم الظفر والغلبة عليهم ﴿ ويشف صدور قوم مؤمنين ﴾ أي يشف قلوب المؤمنين بإعلاء دين الله وتعذيب الكفار وخزيهم قال ابن عباس: هم قوم من اليمن قدموا مكة فأسلموا فلقوا من أهلها أذى كثيرا فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أبشروا فإن الفرج قريب ﴿ ويذهب غيظ قلوبهم ﴾ أي يذهب ما بها من غيظ، وغم، وكرب، وهو كالتأكيد لشفاء الصدور وفائدته المبالغة في جعلهم مسرورين بما يمن الله عليهم من تعذيب أعدائهم قال الرازي: أمر تعالى بقتالهم وذكر فيه خمسة أنواع من الفوائد، كل واحد منها يعظم موقعه إذا انفرد، فكيف بها إذا اجتمعت؟ ﴿ ويتوب الله على من يشآء ﴾ كلام مستأنف أي يمن الله على من يشاء منهم بالتوبة والدخول في الإسلام كأبي سفيان ﴿ والله عليم حكيم ﴾ أي عالم بالأسرار لا تخفى عليه خافية، حكيم لا يفعل إلا ما فيه حكمة ومصلحة قال أبو السعود: ولقد أنجز الله سبحانه جميع ما وعدهم به على أجمل ما يكون، فكان إخباره عليه السلام بذلك قبل وقوعه معجزة عظيمة ﴿ أم حسبتم أن تتركوا ﴾ أي منقطعة بمعنى بل والهمزة أي بل أحسبتم يا معشر المؤمنين أن تتركوا بغير امتحان وابتلاء يعرف الصادق منكم في دينه من الكاذب فيه! ﴿ ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ﴾ أي والحال أنه لم يتبين المجاهد منكم من غيره، والمراد بالعلم علم ظهور لا علم خفاء فإنه تعالى يعلم ذلك غيبا فأراد إظهار ما علم ليجازي على العمل ﴿ ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة ﴾ أي جاهدوا في سبيل الله ولم يتخذوا بطانة وأولياء من المشركين يفشون إليهم أسرارهم ويوالونهم من دون المؤمنين، والغرض من الآية: ان الله تعالى لا يترك الناس دون تمحيص يظهر فيه الطيب من الخبيث ﴿ والله خبير بما تعملون ﴾ أي يعلم جميع أعمالكم لا يخفى عليه شيء منها ﴿ ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله ﴾ أي لا يصح ولا يستقيم ولا ينبغي ولا يليق بالمشركين أن يعمروا شيئا من المساجد ﴿ شاهدين على أنفسهم بالكفر ﴾ أي حال كونهم مقرين بالكفر، ناطقين به بأقوالهم وأفعالهم حيث كانوا يقولون في تلبيتهم: " لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك " يعنون الأصنام، وكانوا قد نصبوا أصنامهم خارج البيت، وكانوا يطوفون عراة كلما طافوا طوفة سجدوا للأصنام والمعنى: ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متنافيين: عمارة مساجد الله، مع الكفر بالله وبعبادته ﴿ أولئك حبطت أعمالهم ﴾ أي بطلت أعمالهم بما قارنها من الشرك ﴿ وفي النار هم خالدون ﴾ أي ماكثون في نار حهنم أبدا ﴿ إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر ﴾ أي إنما تستقيم عمارة المساجد وتليق بالمؤمن المصدق بوحدانية الله، الموقن بالآخرة ﴿ وأقام الصلاة وآتى الزكاة ﴾ أي أقام الصلاة المكتوبة بحدودها، وأدى الزكاة المفروضة بشروطها ﴿ ولم يخش إلا الله ﴾ أي خاف الله ولم يرهب أحدا سواه ﴿ فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين ﴾ أي فعسى أن يكونوا في زمرة المهتدين يوم القيامة قال ابن عباس: كل عسى في القرآن واجبة قال الله لنبيه
عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا
[الإسراء: 79] يقول: إن ربك سيبعثك مقاما محمودا وهي الشفاعة قال أبو حيان: وعسى من الله تعالى واجبة حيثما وقعت في القرآن، وفي التعبير بعسى قطع لأطماع المشركين أن يكونوا مهتدين، إذ من جمع هذه الخصال الأربعة جعل حاله حال من ترجى له الهداية، فكيف بمن هو عار منها؟ وفيه ترجيح الخشية على الرجاء، ورفض الاغترار بالأعمال الصالحة ﴿ أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله ﴾ الخطاب للمشركين، والاستفهام للإنكار والتوبيخ والمعنى: أجعلتم يا معشر المشركين سقاية الحجيج وسدانة البيت، كإيمان من آمن بالله وجاهد في سبيله؟ وهو رد على العباس حين قال: لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة، فلقد كنا نعمر المسجد الحرام، ونسقي الحاج فنزلت قال الطبري: هذا توبيخ من الله تعالى لقوم افتخروا بالسقاية وسدانة البيت الحرام، فأعلمهم أن الفخر في الإيمان بالله، واليوم الآخر، والجهاد في سبيله ﴿ لا يستوون عند الله ﴾ أي لا يتساوى المشركون بالمؤمنين، ولا أعمال أولئك بأعمال هؤلاء ومنازلهم ﴿ والله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ هذا كالتعليل أي لا يوفق الظالمين إلى معرفة الحق، قال في البحر: ومعنى الآية إنكار أن يشبه المشركون بالمؤمنين، وأعمالهم المحبطة بأعمالهم المثبتة، ولما نفى المساواة بينهم أوضحها بأن الكافرين بالله هم الظالمون، ظلموا أنفسهم بعدم الإيمان، وظلموا المسجد الحرام إذ جعلوه متعبدا لأوثانهم، وأثبت للمؤمنين الهداية في الآية السابقة، ونفاها عن المشركين هنا فقال ﴿ والله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ ثم قال تعالى ﴿ الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله ﴾ هذا زيادة توضيح وبيان لأهل الجهاد والإيمان والمعنى: إن الذين طهروا أنفسهم من دنس الشرك بالإيمان، وطهروا أبدانهم بالهجرة من الأوطان، وبذلوا أنفسهم وأموالهم للجهاد في سبيل الرحمن، هؤلاء المتصفون بالأوصاف الجليلة أعظم أجرا، وأرفع ذكرا من سقاة الحاج، وعمار المسجد الحرام وهم بالله مشركون ﴿ وأولئك هم الفائزون ﴾ أي وأولئك هم المختصون بالفوز العظيم في جنات النعيم ﴿ يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان ﴾ أي يبشرهم المولى برحمة عظيمة، ورضوان كبير من رب عظيم ﴿ وجنات لهم فيها نعيم مقيم ﴾ أي وجنات عالية، قطوفها دانية، لهم في تلك الجنات نعيم دائم لا زوال له ﴿ خالدين فيهآ أبدا ﴾ أي ماكثين في الجنان إلى ما لا نهاية ﴿ إن الله عنده أجر عظيم ﴾ أي ثوابهم عند الله عظيم، تعجز العقول عن وصفه قال أبو حيان: لما وصف المؤمنين بثلاث صفات: الإيمان، والهجرة، والجهاد بالنفس والمال، قابلهم على ذلك بالتبشير بثلاثة: الرحمة، الرضوان، والجنان، فبدأ بالرحمة لأنها أعم النعم في مقابلة الإيمان، وثنى بالرضوان الذي هو نهاية الإحسان في مقابلة الجهاد، وثلث بالجنان في مقابلة الهجرة وترك الأوطان وقال الألوسي: ولا يخفى أن وصف الجنات بأن لهم فيها نعيم مقيم جاء في غاية اللطافة، لأن الهجرة فيها السفر، الذي هو قطعة من العذاب.