تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة

فلقد علمت بأن عفوك أعظم

إن كان لا يرجوك إلا محسن

فبمن يلوذ ويستجير المجرم؟

﴿ ولما سكت عن موسى الغضب ﴾ أي سكن غضب موسى على أخيه وقومه ﴿ أخذ الألواح ﴾ أي ألواح التوراة التي كان ألقاها ﴿ وفي نسختها هدى ورحمة ﴾ أي وفيما نسخ فيها وكتب هداية للحق ورحمة للخلق بإرشادهم إلى ما فيه سعادة الدارين ﴿ للذين هم لربهم يرهبون ﴾ أي هذه الرحمة للذين يخافون الله ويخشون عقابه على معاصيه ﴿ واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا ﴾ أي اختار موسى من قومه سبعين رجلا ممن لم يعبدوا العجل للوقت الذي وعده ربه الإتيان فيه للاعتذار عن عبادة العجل ﴿ فلما أخذتهم الرجفة ﴾ أي فلما رجف بهم الجبل وصعقوا ﴿ قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي ﴾ أي قال موسى على وجه التضرع والإستسلام لأمر الله: لو شئت يا رب أن تهلكنا قبل ذلك لفعلت فإنا عبيدك وتحت قهرك وأنت تفعل ما تشاء ﴿ أتهلكنا بما فعل السفهآء منآ ﴾؟ أي أتهلكنا وسائر بني إسرائيل بما فعل هؤلاء السفهاء السبعون في قولهم:

أرنا الله جهرة

[النساء: 153]؟ والاستفهام استفهام استعطاف وتذلل فكأنه يقول: لا تعذبنا يا ألله بذنوب غيرنا قال الطبري في رواية السدي: إن الله أمر موسى عليه السلام أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل، ووعدهم موعدا فاختار موسى من قومه سبعين رجلا على عينه ثم ذهب بهم ليعتذروا فلما أتوا ذلك المكان قالوا: لن نؤمن لك يا موسى حتى نرى الله جهرة، فإنك قد كلمته فأرناه فأخذتهم الصاعقة فماتوا، فقام موسى يبكي ويدعو الله ويقول: رب ماذا أقول لبني اسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي " أقول: إذا كان هذا قول الأخيار من بني اسرائيل فكيف حال الأشرار منهم؟ نعوذ بالله من خبث اليهود ﴿ إن هي إلا فتنتك ﴾ أي ما هذه الفتنة التي حدثت لهم إلا محنتك وابتلاؤك تمتحن بها عبادك ﴿ تضل بها من تشآء وتهدي من تشآء ﴾ أي تضل بهذه المحنة من تشاء إضلاله وتهدي من تشاء هدايته ﴿ أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا ﴾ أي أنت يا رب متولي أمورنا وناصرنا وحافظنا فاغفر لنا ما قارفناه من المعاصي وارحمنا برحمتك الواسعة الشاملة ﴿ وأنت خير الغافرين ﴾ أي أنت خير من صفح وستر، تغفر السيئة وتبدلها بالحسنة ﴿ واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة ﴾ هذا من جملة دعاء موسى عليه السلام أي حقق وأثبت لنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ﴿ إنا هدنآ إليك ﴾ أي تبنا ورجعنا إليك من جميع ذنوبنا ﴿ قال عذابي أصيب به من أشآء ورحمتي وسعت كل شيء ﴾ أي قال تعالى أما عذابي فأصيب به من أشاء من عبادي وأما رحمتي فقد عمت خلقي كلهم قال أبو السعود: وفي نسبة الإصابة إلى العذاب بصيغة المضارع ونسبة السعة إلى الرحمة بصيغة الماضي إيذان بأن الرحمة مقتضى الذات، وأما العذاب فبمقتضى معاصي العباد ﴿ فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون ﴾ أي سأجعل هذه الرحمة خاصة في الآخرة بالذين يتقون الكفر والمعاصي ويعطون زكاة أموالهم ويصدقون بجميع الكتب والأنبياء ﴿ الذين يتبعون الرسول النبي الأمي ﴾ أي هؤلاء الذين تنالهم الرحمة هم الذين يتبعون محمدا صلى الله عليه وسلم النبي العربي الأمي أي الذي لا يقرأ ولا يكتب قال البيضاوي: وإنما سماه رسولا بالإضافة إلى الله تعالى، ونبيا بالإضافة إلى العباد ﴿ الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ﴾ أي الذي يجدون نعته وصفته في التوراة والإنجيل قال ابن كثير: هذه صفة محمد صلى الله عليه وسلم في كتب الأنبياء، بشروا أممهم ببعثته وأمروهم بمتابعته، ولم تزل صفاته موجودة في كتبهم يعرفها علماؤهم وأحبارهم ﴿ يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ﴾ أي لا يأمر إلا بكل شيء مستحسن ولا ينهي إلا عن كل شيء قبيح ﴿ ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبآئث ﴾ أي يحل لهم ما حرم عليهم من الأشياء الطيبة بشؤم ظلمهم ويحرم عليهم ما يستخبث من نحو الدم والميتة ولحم الخنزير ﴿ ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ﴾ أي يخفف عنهم ما كلفوه من التكاليف الشاقة التي تشبه الأغلال كقتل النفس في التوبة وقطع موضع النجاسة من الثوب والقصاص من القاتل عمدا كان القتل أو خطأ وشبه ذلك ﴿ فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه ﴾ أي فالذين صدقوا بمحمد وعظموه ووقروه ونصروا دينه ﴿ واتبعوا النور الذي أنزل معه ﴾ أي واتبعوا قرآنه المنير وشرعه المجيد ﴿ أولئك هم المفلحون ﴾ أي هم الفائزون بالسعادة السرمدية ﴿ قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا ﴾ هذا بيان لعموم رسالته صلى الله عليه وسلم لجميع الخلق أي قل يا محمد للناس إني رسول من عند الله إلى جميع أهل الأرض ﴿ الذي له ملك السموت والأرض ﴾ أي المالك لجميع الكائنات ﴿ لا إله إلا هو يحيي ويميت ﴾ أي لا رب ولا معبود سواه فهو الإله القادر على الإحياء والإفناء ﴿ فآمنوا بالله ورسوله ﴾ أي صدقوا بآيات الله وصدقوا برسوله المبعوث إلى جميع خلقه ﴿ النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته ﴾ أي آمنوا بالنبي الأمي صاحب المعجزات الذي لا يقرأ ولا يكتب المصدق بالكتب التي أنزلها الله عليه وعلى غيره من الأنبياء ﴿ واتبعوه لعلكم تهتدون ﴾ أى اسلكوا طريقه واقتفوا أثره رجاء اهتدائكم إلى المطلوب ﴿ ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ﴾ أى ومن بنى إسرائيل جماعة مستقيمون على شريعة الله يهدون الناس بكلمة الحق لا يجورون قال الزمخشري: لما ذكر تعالى الذين تزلزلوا منهم في الدين وارتابوا حتى أقدموا على العظيمتين: عبادة العجل، وطلب رؤية الله، ذكر أن منهم أمة موقنين ثابتين يهدون الناس بكلمة الحق ويدلونهم ويرشدونهم على الاستقامة ﴿ وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما ﴾ أي وفرقنا بني اسرائيل فجعلناهم قبائل شتى اثنتي عشرة قبيلة من اثني عشر ولدا من أولاد يعقوب قال أبو حيان: أي فرقناهم وميزناهم أسباطا ليرجع أمر كل سبط أي " قبيلة " إلى رئيسه ليخف أمرهم على موسى لئلا يتحاسدوا فيقع الهرج، ولهذا فجر لهم اثنتي عشرة عينا لئلا يتنازعوا ويقتتلوا على الماء، وجعل لكل سبط نقيبا ليرجعوا في أمورهم إليه ﴿ وأوحينآ إلى موسى إذ استسقاه قومه ﴾ أي حين استولى عليهم العطش في التيه ﴿ أن اضرب بعصاك الحجر ﴾ أي أوحينا إليه أن يضرب الحجر بعصاه فضربه ﴿ فانبجست منه اثنتا عشرة عينا ﴾ أي انفجرت من الحجر اثنتا عشرة عينا من الماء بعدد الأسباط ﴿ قد علم كل أناس مشربهم ﴾ أي قد عرف كل سبط وجماعة منهم عينهم الخاصة بهم قال الطبري: لا يدخل سبط على غيره في شربه ﴿ وظللنا عليهم الغمام ﴾ أي جعلنا الغمام يكنهم من حر الشمس ويقيهم من أذاها قال الألوسي: وكان الظل يسير بسيرهم ويسكن بإقامتهم ﴿ وأنزلنا عليهم المن والسلوى ﴾ أي وأكرمناهم بطعام شهي هو ﴿ المن ﴾ وهي شيء حلو ينزل على الشجر يجمعونه ويأكلونه و ﴿ والسلوى ﴾ وهو طائر لذيذ اللحم يسمى السماني، كل ذلك من إفضال الله وإنعامه عليهم دون جهد منهم ﴿ كلوا من طيبات ما رزقناكم ﴾ أي وقلنا لهم كلوا من هذا الشيء الطيب اللذيذ الذي رزقناكم إياه ﴿ وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾ في الكلام محذوف تقديره: فكفروا بهذه النعم الجليلة وما ظلمونا بذلك ولكن ظلموا أنفسهم حيث عرضوها بالكفر لعذاب الله ﴿ وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم ﴾ أي واذكر لهم حين قلنا لأسلافهم اسكنوا بيت المقدس وكلوا من مطاعمها وثمارها من أي جهة ومن أي مكان شئتم منها ﴿ وقولوا حطة ﴾ أي وقولوا حين دخولكم: يا ألله حط عنا ذنوبنا ﴿ نغفر لكم خطيئاتكم ﴾ أي نمح عنكم جميع الذنوب التي سلفت منكم ﴿ سنزيد المحسنين ﴾ أي وسنزيد من أحسن عمله بامتثال أمر الله وطاعته فوق الغفران دخول الجنان ﴿ فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم ﴾ أي غير الظالمون منهم أمر الله بقولهم كلاما لا يليق حيث قالوا بدل ﴿ حطة ﴾ حنطة في شعيرة وبدل أن يدخلوا ساجدين خشوعا لله دخلوا يزحفون على أستاههم " أدبارهم " سخرية واستهزاء بأوامر الله ﴿ فأرسلنا عليهم رجزا من السمآء بما كانوا يظلمون ﴾ أي فأرسلنا عليهم عذابا من السماء بسبب ظلمهم وعدوانهم المستمر سابقا ولاحقا قال أبو السعود: والمراد بالعذاب " الطاعون " روي أنه مات منهم في ساعة واحدة أربعة وعشرون ألفا ﴿ وسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر ﴾ أي واسأل يا محمد اليهود عن أخبار أسلافهم وعن أمر القرية التي كانت بقرب البحر وعلى شاطئه ماذا حل بهم لما عصوا أمر الله واصطادوا يوم السبت؟ ألم يمسخهم الله قردة وخنازير؟ قال ابن كثير: وهذه القرية هي (أيلة) وهي على شاطئ بحر القلزم ﴿ إذ يعدون في السبت ﴾ أي يتجاوزون حد الله فيه وهو اصطيادهم يوم السبت ﴿ إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ﴾ أي حين كانت الحيتان " الأسماك " تأتيهم يوم السبت - وقد حرم عليهم الصيد فيه - كثيرة ظاهرة على وجه الماء ﴿ ويوم لا يسبتون لا تأتيهم ﴾ أي وفي غير يوم السبت وهي سائر الأيام لا تأتيهم بل تغيب عنهم وتختفي ﴿ كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون ﴾ أي مثل ذلك البلاء العجيب نختبرهم ونمتحنهم بإظهار السمك لهم على وجه الماء في اليوم المحرم عليهم صيده وإخفائها عنهم في اليوم الحلال بسبب فسقهم وانتهاكهم حرمات الله قال القرطبي: روي أنها كانت في زمن داود عليه السلام وأن إبليس أوحى إليهم فقال: إنما نهيتم عن أخذها يوم السبت فاتخذوا الحياض فكانوا يسوقون الحيتان إليها يوم الجمعة فتبقى فيها فلا يمكنها الخروج منها لقلة الماء فيأخذونها يوم الأحد ويحتالون في صيدها ﴿ وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا ﴾ قال ابن كثير: يخبر تعالى عن أهل هذه القرية أنهم صاروا إلى ثلاث فرق: فرقة ارتكبت المحظور واحتالوا على اصطياد السمك يوم السبت، وفرقة نهت عن ذلك واعتزلتهم، وفرقة سكتت فلم تفعل ولم تنه ولكنها قالت للمنكرة ﴿ لم تعظون قوما الله مهلكهم ﴾ أي لم تنهون هؤلاء وقد علمتم أنهم قد هلكوا واستحقوا العقوبة من الله فلا فائدة في نهيكم إياهم؟ ﴿ قالوا معذرة إلى ربكم ﴾ أي قال الناهون: إنما نعظهم لنعذر عند الله بقيامنا بواجب النصح والتذكير ﴿ ولعلهم يتقون ﴾ أي ينزعون عما هم فيه من الإجرام قال الطبري: أي لعلهم أن يتقوا الله فينيبوا إلى طاعته ويتوبوا من معصيتهم إياه وتعديهم الاعتداء في السبت ﴿ فلما نسوا ما ذكروا به ﴾ أي فلما تركوا ما ذكرهم به صلحاؤهم ترك الناسي للشيء وأعرضوا عن قبول النصيحة إعراضا كليا ﴿ أنجينا الذين ينهون عن السوء ﴾ أي نجينا الناهين عن الفساد في الأرض ﴿ وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس ﴾ أي وأخذنا الظالمين العصاة بعذاب شديد وهم الذين ارتكبوا المنكر ﴿ بما كانوا يفسقون ﴾ أي بسبب فسقهم وعصيانهم لأمر الله ﴿ فلما عتوا عن ما نهوا عنه ﴾ أي فلما استعصوا وتكبروا عن ترك ما نهوا عنه ﴿ قلنا لهم كونوا قردة خاسئين ﴾ أي مسخناهم إلى قردة وخنازير؛ والمعنى أنهم عذبوا أولا بعذاب شديد فلما لم يرتدعوا وتمادوا في الطغيان مسخوا قردة وخنازير، والحاصل أن أصحاب القرية انقسموا ثلاث فرق: فرقة عصت فحل بها العذاب، وفرقة نهت ووعظت فنجاها الله من العذاب، وفرقة اعتزلت فلم تنه ولم تقارف المعصية وقد سكت عنها القرآن قال ابن عباس: ما أدري ما فعل بالفرقة الساكتة أنجوا أم هلكوا؟ قال عكرمة: فلم أزل به حتى عرفته أنهم قد نجوا لأنهم كرهوا ما فعله أولئك، فكساني حلة ﴿ وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب ﴾ أي واذكر يا محمد حين أعلم ربك ليسلطن على اليهود إلى قيام الساعة من يذيقهم أسوأ العذاب بسبب عصيانهم ومخالفتهم أمر الله واحتيالهم على المحارم، وقد سلط الله عليهم بختنصر فقتلهم وسباهم، وسلط عليهم النصارى فأذلوهم وضربوا عليهم الجزية، وسلط عليهم محمدا صلى الله عليه وسلم فطهر الأرض من رجسهم وأجلاهم عن الجزيرة العربية، وسلط عليهم أخيرا " هتلر " فاستباح حماهم وكاد أن يبيدهم ويفنيهم بالقتل والتشريد في الأرض، ولا يزال وعد الله بتسليط العذاب عليهم ساريا إلى أن يقتلهم المسلمون في المعركة الفاصلة إن شاء الله ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ﴿ إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم ﴾ أي سريع العقاب لمن عصاه وغفور رحيم لمن أطاعه ﴿ وقطعناهم في الأرض أمما ﴾ أي فرقناهم في البلاد طوائف وفرقا ففي كل بلدة فرقة منهم، وليس لهم إقليم يملكونه حتى لا تكون لهم شوكة، وما اجتمعوا في الأرض المقدسة في هذه الأيام إلا ليذبحوا بأيدي المؤمنين إن شاء الله كما وعد بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال:

صفوة التفاسير · الصفحة ٢٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٢٤٩