تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور

[الشورى: 43] قال ابن عباس: أمر موسى أن يأخذها بأشد مما أمر به قومه ﴿ سأوريكم دار الفاسقين ﴾ أي سترون منازل الفاسقين - فرعون وقومه - كيف أقفرت منهم ودمروا لفسقهم لتعتبروا فلا تكونوا مثلهم، فإن رؤيتها وهي خالية عن أهلها موجبة للاعتبار والانزجار ﴿ سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق ﴾ أي سأمنع المتكبرين عن فهم آياتي فلا يتفكرون) ولا يتدبرون بما فيها، وأطمس على قلوبهم عقوبة لهم على تكبرهم قال الزمخشري: وفيه إنذار للمخاطبين من عاقبة الذين يصرفون عن آيات الله لتكبرهم وكفرهم بها لئلا يكونوا مثلهم فيسلك بهم سبيلهم ﴿ وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها ﴾ أي وإن يشاهدوا كل آية قرآنية من الآيات المنزلة عليهم أو يروا كل معجزة ربانية لا يصدقوا بها ﴿ وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا ﴾ أي وإن يروا طريق الهدى والفلاح لا يسلكوه ﴿ وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ﴾ أي وإن يروا طريق الضلال والفساد سلكوه كقوله

فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى

[فصلت: 17] ﴿ ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا ﴾ أي ذلك الانحراف عن هدي الله وشرعه بسبب تكذيبهم بآيات الله ﴿ وكانوا عنها غافلين ﴾ أي وغفلتهم عن الآيات التي بها سعادتهم حيث لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون ﴿ والذين كذبوا بآياتنا ﴾ أي جحدوا بما أنزل الله ﴿ ولقآء الآخرة ﴾ أي وكذبوا بلقاء الله في الآخرة أي لم يؤمنوا بالبعث بعد الموت ﴿ حبطت أعمالهم ﴾ أي بطلت أعمالهم الخيرية التي عملوها في الدنيا من إحسان وصلة رحم وصدقة وأمثالها وذهب ثوابها لعدم الإيمان ﴿ هل يجزون إلا ما كانوا يعملون ﴾ أي هل يثابون أو يعاقبون إلا بما عملوا في الدنيا؟ ﴿ واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ﴾ قال الحافظ ابن كثير: يخبر تعالى عن ضلال من ضل من بني إسرائيل في عبادتهم العجل الذي اتخذه لهم السامري من الحلي، فشكل لهم منه عجلا جسدا لا روح فيه وقد احتال بإدخال الريح فيه حتى صار يسمع له خوار أي صوت كصوت البقر ومعنى ﴿ من بعده ﴾ أي من بعد ذهاب موسى إلى الطور لمناجاة ربه ﴿ ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا ﴾ الاستفهام للتقريع والتوبيخ أي كيف عبدوا العجل واتخذوه إلها مع أنه ليس فيه شيء من صفات الخالق الرازق، فإنه لا يملك قدرة الكلام ولا قدرة هدايتهم إلى سبيل السعادة فكيف يتخذ إلها؟ ﴿ اتخذوه وكانوا ظالمين ﴾ أي عبدوا العجل واتخذوه إلها فكانوا ظالمين لأنفسهم حيث وضعوا الأشياء في غير موضعها، وتكرير لفظ ﴿ اتخذوه ﴾ لمزيد التشنيع عليهم ﴿ ولما سقط في أيديهم ﴾ أي ندموا على جنايتهم واشتد ندمهم وحسرتهم على عبادة العجل ﴿ ورأوا أنهم قد ضلوا ﴾ أي تبينوا ضلالهم تبينا جليا كأنهم أبصروه بعيونهم ﴿ قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا ﴾ أي لئن لم يتداركنا الله برحمته ومغفرته ﴿ لنكونن من الخاسرين ﴾ أي لنكونن من الهالكين قال ابن كثير: وهذا اعتراف منهم بذنبهم والتجاء إلى الله عز وجل.

البلاغة: 1- ﴿ فإذا جآءتهم الحسنة ﴾ بين لفظ الحسنة والسيئة طباق كما أن بين لفظ ﴿ طائرهم ﴾ و ﴿ يطيروا ﴾ جناس الاشتقاق وكلاهما من المحسنات البديعية.

2- ﴿ ودمرنا ما كان يصنع ﴾ عدل عن الماضي إلى المضارع لاستحضار الصورة في ذهن المخاطب ومثله ﴿ وما كانوا يعرشون ﴾ والأصل ما صنعوا وما عرشوا.

3- ﴿ إنكم قوم تجهلون ﴾ أتى بلفظ تجهلون ولم يقل: جهلتم إشعارا بأن ذلك منهم كالطبع والغريزة لا ينتقلون عنه في ماض ولا مستقبل.

4- ﴿ سأوريكم دار الفاسقين ﴾ فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب للمبالغة في الحض على نهج سبيل الصالحين، والأصل أن يقال: سأريهم.

5- ﴿ ولما سقط في أيديهم ﴾ هذا من باب الكناية فهو كناية عن شدة الندم لأن النادم يعض على يده غما.

صفوة التفاسير · الصفحة ٢٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٢٤٦