" إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا "
﴿ ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ﴾ أي لا تفسدوا في الأرض بالشرك والمعاصي بعد أن أصلحها الله ببعثة المرسلين ﴿ وادعوه خوفا وطمعا ﴾ أي خوفا من عذابه وطمعا في رحمته ﴿ إن رحمت الله قريب من المحسنين ﴾ أي رحمته تعالى قريبة من المطيعين الذين يمتثلون أوامره ويتركون زواجره ﴿ وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته ﴾ أي يرسل الرياح مبشرة بالمطر قال في البحر: ومعنى بين يدي رحمته أي أمام نعمته وهو المطر الذي هو من أجل النعم وأحسنها أثرا على الإنسان ﴿ حتى إذآ أقلت سحابا ثقالا ﴾ أي حتى إذا حملت الرياح سحابا مثقلا بالماء ﴿ سقناه لبلد ميت ﴾ أي سقنا السحاب إلى أرض ميتة مجدبة لا نبات فيها ﴿ فأنزلنا به المآء فأخرجنا به من كل الثمرات ﴾ أي أنزلنا في ذلك البلد الميت الماء فأخرجنا بذلك الماء من كل أنواع الثمرات ﴿ كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون ﴾ أي مثل هذا الإخراج نخرج الموتى من قبورهم لعلكم تعتبرون وتؤمنون قال ابن كثير: وهذا المعنى كثير في القرآن يضرب الله المثل ليوم القيامة بإحياء الأرض بعد موتها ولهذا قال لعلكم تذكرون ﴿ والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه ﴾ أي الأرض الكريمة التربة يخرج النبات فيها وافيا حسنا غزير النفع بمشيئة الله وتيسيره، وهذا مثل للمؤمن يسمع الموعظة فينتفع بها ﴿ والذي خبث لا يخرج إلا نكدا ﴾ أي والأرض إذا كانت خبيثة التربة كالحرة أو السبخة لا يخرج النبات فيها إلا بعسر ومشقة وقليلا لا خير فيه، وهذا مثل للكافر الذي لا ينتفع بالموعظة قال ابن عباس: هذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر، فالمؤمن طيب وعمله طيب كالأرض الطيبة ثمرها طيب، والكافر خبيث وعمله خبيث كالأرض السبخة المالحة لا ينتفع بها ﴿ كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون ﴾ أي كما ضربنا هذا المثل كذلك نبين وجوه الحجج ونكررها آية بعد آية، وحجة بعد حجة لقوم يشكرون الله على نعمه، وإنما خص الشاكرين بالذكر لأنهم المنتفعون بسماع القرآن قال الألوسي: أي مثل هذا التصريف البديع نردد الآيات الدالة على القدرة الباهرة ونكررها لقوم يشكرون نعم الله تعالى، وشكرها بالتفكر والاعتبار بها ﴿ لقد أرسلنا نوحا إلى قومه ﴾ اللام جواب قسم محذوف أي والله لقد أرسلنا نوحا، ونوح شيخ الأنبياء لأنه أطولهم عمرا وهو أول نبي بعثه الله بعد إدريس، ولم يلق نبي من الأذى مثل نوح ﴿ فقال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ﴾ أي وحدوا الله ولا تشركوا به فما لكم إله مستحق للعبادة غيره ﴿ إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم ﴾ أي إن أشركتم به ولم تؤمنوا فأنا أخاف عليكم عذاب يوم عظيم هو يوم القيامة ﴿ قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين ﴾ أي قال الأشراف والسادة من قومه إنا لنراك يا نوح في ذهاب عن طريق الحق والصواب واضح جلي قال أبو حيان: ولم يجبه من قومه إلا أشرافهم وسادتهم وهم الذين يتعاصون على الرسل لانغماس عقولهم بالدنيا وطلب الرياسة، وهكذا حال الفجار إنما يرون الأبرار في ضلالة ﴿ قال ياقوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين ﴾ أي ما أنا بضال ولكن أنا مرسل إليكم من عند ربكم المالك لأموركم الناظر لكم بالمصلحة ﴿ أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون ﴾ أي أنا أبلغكم ما أرسلني الله به إليكم وأقصد صلاحكم وخيركم وأعلم من الأمور الغيبية أشياء لا علم لكم بها قال ابن كثير: وهذا شأن الرسول أن يكون مبلغا فصيحا ناصحا عالما بالله لا يدركه أحد من خلق الله في هذه الصفات ﴿ أو عجبتم أن جآءكم ذكر من ربكم على رجل منكم ﴾ أي لا تعجبوا من هذا فإن هذا ليس بعجيب أن يوحي الله إلى رجل منكم رحمة بكم ولطفا وإحسانا إليكم ﴿ لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون ﴾ أي ليخوفكم هذا الرسول من العذاب إن لم تؤمنوا ولتتقوا ربكم وتنالكم الرحمة بتقواه ﴿ فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك ﴾ أي كذبوا نوحا مع طول مدة إقامته فيهم فأنجاه الله والمؤمنين معه في السفينة ﴿ وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنآ ﴾ أي أهلكنا المكذبين منهم بالغرق ﴿ إنهم كانوا قوما عمين ﴾ أي عميت قلوبهم عن الحق فهم لا يبصرونه ولا يهتدون له قال ابن عباس: عميت قلوبهم عن معرفة التوحيد والنبوة والمعاد ﴿ وإلى عاد أخاهم هودا ﴾ أي وأرسلنا إلى قوم عاد أخاهم هودا وكانت مساكنهم بالأحقاف باليمن ﴿ قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ﴾ أي قال لهم رسولهم وحدوا الله فليس لكم إله غيره ﴿ أفلا تتقون ﴾ أي أفلا تخافون عذابه؟ ﴿ قال الملأ الذين كفروا من قومه ﴾ أي قال السادة والقادة منهم ﴿ إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين ﴾ أي نراك في خفة حلم وسخافة عقل وإننا لنظنك من الكاذبين في ادعائك الرسالة ﴿ قال ياقوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين ﴾ أي ليس بي كما تزعمون نقص في العقل ولكني مرسل إليكم بالهداية من رب العالمين ﴿ أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين ﴾ أي أبلغكم أوامر الله وأنا ناصح لكم فيما أدعوكم إليه، أمين على ما أقول لا أكذب فيه قال الزمخشري: وفي إجابة الأنبياء عليهم السلام ممن نسبهم إلى السفاهة والضلالة - بما أجابوهم به من الكلام الصادر عن الحلم وترك المقابلة - أدب حسن وخلق عظيم، وتعليم للعباد كيف يخاطبون السفهاء ويسبلون أذيالهم على ما يكون منهم ﴿ أو عجبتم أن جآءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ﴾ أي لا تعجبوا أن بعث الله إليكم رسولا من أنفسكم لينذركم لقاء الله ويخوفكم عذابه ﴿ واذكروا إذ جعلكم خلفآء من بعد قوم نوح ﴾ أي اذكروا نعمة الله حين استخلفكم في الأرض بعد إهلاك قوم نوح ﴿ وزادكم في الخلق بصطة ﴾ أي زاد في أجسامكم قوة وضخامة ﴿ فاذكروا آلآء الله لعلكم تفلحون ﴾ أي اذكروا نعم الله عليكم كي تفلحوا وتفوزوا بالسعادة ﴿ قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا ﴾ أي أجئتنا يا هود تتوعدنا بالعذاب كي نعبد الله وحده ونهجر عبادة الآلهة والأصنام ونتبرأ منها؟ ﴿ فأتنا بما تعدنآ إن كنت من الصادقين ﴾ أي فأتنا بما تعدنا به من العذاب فلن نؤمن لك إن كنت من الصادقين في قولك ﴿ قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب ﴾ أي قد حل بكم عذاب وغضب من الله ﴿ أتجدلونني في أسمآء سميتموهآ أنتم وآبآؤكم ما نزل الله بها من سلطان ﴾ أي أتخاصمونني في أصنام لا تضر ولا تنفع ما أنزل الله بعبادتها من حجة أو برهان ﴿ فانتظروا إني معكم من المنتظرين ﴾ أي فانتظروا نزول العذاب إني من المنتظرين لما يحل بكم وهذا غاية الوعيد والتهديد ﴿ فأنجيناه والذين معه برحمة منا ﴾ أي أنجينا هودا والذين معه من المؤمنين رحمة منا لهم ﴿ وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا ﴾ أي استأصلناهم بالكلية ودمرناهم عن آخرهم ﴿ وما كانوا مؤمنين ﴾ أي كذبوا ولم يؤمنوا فاستحقوا العذاب قال أبو السعود: أي أصروا على الكفر والتكذيب ولم يرعووا عن ذلك أبدا فأهلكهم الله بالريح العقيم.